غزة وصناعة الحياة بالموت
وقوفا وقوفا فإن راياتنا تعلو.. ووقوفا وقوفا فإن صواريخنا تدك تجمعات العدو في تل ابيب والخضيرة وإيلات وحيفا وكل التجمعات الصهيونية في بلادنا فلسطين.. وقوفا ايها السادة فإن أرواح الشهداء الأعزاء في فلسطين تريم ملامح الغد الجميل وان الخراب العظيم واللحم الآدمي المتناثر في سماء غزة يضيء لطلائع الأمة فجر يوم على موعد أكيد لأمة المليار العظيمة.. وقوفا وقوفا فإن الليل يلملم أذياله وينسحب من مشهد لا ينبغي إلا لنا.
نعم، ليس اللغة هنا الا التكثيف المعنوي لحالة تسكن ابناء قطاع غزة وهم يواجهون بلحمهم آلاف الأطنان من المتفجرات بقصف جو وبحري وبري خلال ايام طويلة لم تستطع كل الجيوش الرسمية ان تصمد لأقل منها بكثير.. اللغة هنا صناعة الروح المقاومة والإرادة المنتصرة، لذلك من العبث ان نسمح للغة الهزيمة ان تتسرب إلى أرواحنا وإلى ما هو في ذمة التاريخ من شهادة تسجل للأجيال القادمة ملحمة العصر.
هناك من سهل عليه الأمر بأن أطلق للسانه العنان سبا للأمة ولشعوبها على تخاذل أو ما شابه ذلك من تقصير، وهنا بالضبط أحب ان تكون معالجتي ومن الروح التي يندفع منها كلامي في هذا اللحظات.. لا مسوغ أبدا للانسحاب من المواجهة بكل عناوينها النفسية والروحية والجهادية في جبهة المقاومة الشاملة للعدو إلى انجرار لأي نوع من المعارك الجانبية لاسيما داخل الأمة.. هذه مسألة في غاية الأهمية الأخلاقية والسياسية.. ويجب الانتباه ان العدو المركزي يروج بيننا ان العرب تخلو عن فلسطين؛ وان بعضهم خان فلسطين، والمقصود هنا تطبيع الخنوع والتخلي والخيانة وإسقاط الروع في أرواح الفلسطينيين انهم متروكون وحدهم في المعركة، وهذا في حد ذاته عدوان خطير ينجز من أهداف العدو ما لا ينجزه في ساحات المعركة.. ثم انه في حقيقة الأمر غير صحيح البتة.. فإن الأمة لم تتخل عن فلسطين ولن تتخل لأسباب عديدة أولها على الإطلاق التحام فلسطين مع عقيدة الأمة وتاريخها وما تكتنزه الأمة من عشق لفلسطين لا يضاهيه مكان على وجه الأرض فهي المخصصة بالبركة وعلى ارضها اجتمع كل الأنبياء.. من العبث اللعب في هذه المسألة او تشويهها، فالأمة بشعوبها المطحونة تقدم فلسطين عن كل شيء ولعلنا مع المسيرة الطويلة للكفاح الفلسطيني اكتشفنا كم كان لدى العرب والمسلمين استعداد لتقديم الروح والمال لفلسطين بحب وطواعية..
هذه مسألة ينبغي ان لا تمس بسوء أبدا وينبغي باستمرار استحضارها.. لأننا نكون جانبنا الصواب إن انكرناها او شوهناها ونكون مع اعداء الأمة الذين يطعنون في مروءة الأمة وحيويتها لإنجاز الهزيمة المعنوية في معركة يلعب فيها الجانب المعنوي دورا كبيرا لما تتسم به من قسوة وصعوبة وطول نفس وفصول متنوعة وابتلاءات متعددة..
على أرضية ما فات من تركيز حول الجانب المعنوي يمكن لنا ان نتجه ونحن قد حققنا الحصانة النفسية إلى مناقشة حجم الدعم العربي والاسلامي، وهل هو كاف؟ ومناقشة المواقف العديدة المتخاذل منها وغير المتخاذل؟
نسجل بداية ان الشعوب العربية أنهكت في السنوات الثلاث السابقة تحت وطأة الشعارات والحراك العاصف الذي كاد في بعض البلدان ان يذهب ريحها ويمزقها.. ما حصل في السنوات الثلاث السابقة كان عبارة عن انفجار التراكمات المترامية من المظالم والإحساس بالغبن والهوان.. ولازالت حمم تلك التراكمات تثور من حين لآخر في بركان التحولات الاستراتيجية الخطيرة في بلدان العرب والمسلمين.. وهنا نحن مدعوون إلى الحديث المتأني والمتدبر والذي يأخذ الظاهرة من كل جوانبها مقدماتها وعناصرها ونتائجها والاستشرافات الضرورية لمثل هذه العملية من التحليل.. ذلك لكي لا نقع في مغبة التحليلات الخبيثة والتي يدفع بها العدو إلى عقول مثقفينا وقرائنا ومشاهدينا.
ما يمكن النظر إليه بعمق ان كل محاولات التقسيم التي يدبر لها الأجانب من خلال مؤسساتهم الأمنية والعسكرية تبوء بالشل ولن يكون من المقبول لدى الشعوب والنخب السياسية مبدأ التقسيم الجغرافي الجديد الذي تسعى اليه الإدارة الأمريكية لا في العراق ولا في ليبيا ولا اليمن ولا سوريا.. وأن المعركة الطاحنة الآن في سوريا تعني ان كل الكون لن يستطيع تقسيم سوريا، كما انه لن يستطيع تقسيم العراق.. سيتخلى الشيعة عن المالكي إن كان وجوده سيؤدي للتقسيم كما صرح بذلك زعماء مسلمون شيعة بالعراق، ولن يقبل السنة ان يقفوا خلف من يمزق العراق بأي حال من الأحوال، وكذلك الأمر في ليبيا فإن العشائر والقبائل وهي لحمة المجتمع وعنصره الأساس لن تقبل ان تتفرق وتتشاحن وتتقاتل.. ان الإدراك في الأمة يبلغ شأوا مكينا لن تتحول الأمة في ظله إلى قشة في مهب الريح رغم كل الترويج الاعلامي والأمني الذي يريد ايصالنا إلى الإحباط.
هنا بالضبط نقول ان الجراح التي تثخن الأمة قد تؤخرها عن القيام بما ينبغي لحسم الجولة مع الصهيونية والاستعمار الأمريكي.. قد لا يجد أحرار العرب وشرفاؤهم الطريق مفتوحا لكي يؤدوا واجب النصرة وتحرير فلسطين؛ ولكن هذا كله يخضع لمسألة الظرف الراهن الذي يحاول العرب الخروج منه بأقل الخسائر وسيخرجون حتما.
ما هو مرفوض ان يتعاون البعض مع الأمريكان والاسرائيليين بخصوص القضية الفلسطينية.. المرفوض ان لا يهتم الناس بأمر فلسطين.. المرفوض ان لا يرى الناس حقيقة قضاياهم المحلية على وهج النار في فلسطين.. فقضايا الأمة كلها مرتبطة ببعضها والمحرك الوحيد فيها هو الاستعمار الأمريكي والغربي.. فالتبعية والتخلف والعدوان ونهب الثروات واللعب بالأمة والكيان الصهيوني كلها أدوات للمشروع الغربي.. والأمة تواجهه في كل الجبهات وهي بمقدار انتصارها في اي جبهة فهي تقترب اكثر من فلسطين.. تولانا الله برحمته.