كتاب “حمدان خوجه” الجديد يكشف عن خبايا تنشر لأول مرة
يستهل أسد رستم كتابه “مصطلح التاريخ” بقوله: «إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها» أي أن الكتابة التاريخية الواعية لابد لها من أصول ترتكز عليها، وأحد أعلى الأصول هي الوثائق الأرشيفية والمذكرات التاريخية، وهي لا ريب حجر الزاوية التي نحتاجها في معرفة تاريخنا وماضينا.
وقد تزينت المكتبة التاريخية الجزائرية منذ أيام بمولود علمي أخرجه البروفيسور فارس كعوان من جامعة سطيف 2 يحكي مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ الجزائر هي مرحلة بداية نهاية الحكم العثماني وبداية الاستعمار الفرنسي، وأصل هذا المولود العلمي الذي يعطيه قيمة معرفية كبيرة كونه ترجمة لرحلةٍ لأحد أعيان الجزائر خلال القرن التاسع عشر هو “حمدان بن عثمان خوجه”. بعنوان: “رحلة من مدينة الجزائر إلى مدينة قسنطينة سنة 1832”
اشتهر “حمدان بن عثمان خوجه” بكونه أحد المثقفين والمناضلين السياسيين الجزائريين الأوائل، واشتهر له من الآثار كتابه الجامع “المرآة” في تاريخ الجزائر، كما اشتهر بكتابه “إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز من الوباء” حول موضوع نظام الحجر الصحي وضرورة الانفتاح على الإصلاح.
كما كان لحمدان خوجه العديد من المساعي السياسية في سبيل القضية الجزائرية، على رأسها القيام بوساطات بين الفرنسيين وأهالي الجزائر. ولعل أشهر هذه الوساطات هي التي كانت مع “الحاج أحمد باي” حاكم بيلك قسنطينة، إذ انتقل حمدان خوجه خلال هذه المهمة من مدينة الجزائر التي كان مستقرا بها إلى قسنطينة في صيف 1832 بغرض الالتقاء مع “الحاج أحمد باي” لتقديم العروض الفرنسية لأحمد باي مقابل السِّلم وهو موضوع هذه الرحلة.
يأتي الكتاب الذي بين أيدينا لأجل سد الثغرة التي بقيت مفتوحة بخصوص تفاصيل هذه المهمة، والرحلة التي سلكها حمدان خوجه إلى أعماق البيلك. خاصة وأنَّ الرحلة التي اشتُهرت بين الباحثين في تاريخ الجزائر لـ”علي رضا باشا ابن حمدان بن عثمان خوجه” وتُرجمت في نسختين إحداهما للأستاذ علي تابليت والثانية للأستاذ عميراوي حميدة مع أهميتها لم تغطِّ جميع تفاصيل الرحلة. كما أنَّ علي رضا باشا أثناء الرحلة لم يتجاوز سنه 12.
اكتشف الأستاذ “كعوان” نص هذه الرحلة منشورا بالفرنسية في إحدى المجلات المغمورة، ولأهميتها عمل الأستاذ على ترجمة النص وتقديمه للقراء عامة وللباحثين في التاريخ خاصة.
ولأجل أن يعطي لهذا النص التاريخي والمصدر البحثي قيمتَه التي تليق به، آثر الباحث أن يُقدِّم لهذا النَّص التاريخي بدراسة وافية استهدفت التعريف بصاحب الكتاب وما يحمله متن هذه الرحلة من تفاصيل. لذا قام بتسليط الضوء أوَّلا على زوايا جديدة في حياة “حمدان خوجه” لم تستعرضها الدراسات السابقة. كما سعى من خلال مبحث الحياة العائلية لحمدان خوجه إلى التعريف بأبنائه وأخيه أحمد نظيف، وعطف على ذلك ببحث المناصب التي شغلها حمدان خوجه ثمَّ تعمَّق في تحليل علاقة “حمدان خوجه” ببعض المستشرقين والعسكريين الفرنسيين. ليستعرض بعدها “كعوان” ما يمكن أن نعدَّه القسم الثاني من الدراسة، وهو المتعلق بالنص التاريخي المترجَم في حد ذاته. أثبت الباحث نسبة هذا النص إلى “حمدان خوجه” وذكر الدلائل المختلفة التي تعضد ذلك. ثمَّ تتبَّع نقطة على قدر كبير مِن المركزية تتمثَّل في مقارنة هذه الرحلة بالرحلة التي صنَّفها “علي رضا باشا ابن حمدان بن عثمان خوجه” وأكد الباحث أنَّ العملين مختلفان وليسا عملاً واحدا ًكما يعتقد العديد من الباحثين. كما تتبَّع كل الأمور المرتبطة بالرحلة من تكاليفها، ومدتها، وأهم محطاتها، وشخصياتها. بعد ذلك ناقش الباحث إشكالية تصنيف حمدان خوجه “هل هو رجلٌ وطني أم رجل يساير الظروف؟” وقد أورد الباحث بعض النصوص التي رأى أنها تمثل تصور حمدان خوجه وثلة من حضر المدينة لـ”الوجود الفرنسي في الجزائر”. وقد استفاض الباحث في هذا القسم من الدراسة في محاولة لتقديم صورة عن حمدان خوجه المتنازَع حوله. وكانت بعض الأحكام التي أصدرها الباحث في حق حمدان خوجه قاسية وتصبّ في اتجاه واحد.
لينتقل بعدها الباحث إلى تبيان أهمية هذه الرحلة التي قادت حمدان خوجه من الجزائر إلى قسنطينة في تدوين مختلف التفاصيل التي تخص الجزائر والمجتمع الجزائري خلال تلك المرحلة.
يمكننا القول إن هذا العمل هو قيمة مضافة مهمة في حقل الدراسات التاريخية التي تعتني بتاريخ الجزائر، نهاية الوجود العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي، وهو وثيقة ومصدر هام يحوي عددا من التفاصيل التي لا توجد في غيره كما أنه يرصد بعض الظواهر الهامة التي تخص المجتمع الجزائري خلال تلك المرحلة.
تبدأ نص هذه الرحلة من الصفحة 73 من الكتاب. ويبدو وكأن الكلام فيه شرخ واقتطاع من النسخة الأصلية الموجودة باللغة الفرنسية، إذ يبدأ المصنف “حمدان خوجه” كلامه مباشرة من الحديث عن “ثورة بني قنون” بالقرب من دلس. في حين يفترض أن تبدأ الرحلة من الانطلاق من مدينة الجزائر كما هو معلوم. بعدها يورد صاحب الرحلة تفاصيل ما كان يلاقيه والرجال الذين لقيهم، ويركز صاحب الرحلة على الحديث عن شخصية المرابط بن عيسى ومكانته بين أهل زواوة وأملاكه. ثم يذكر عادات الاحتفاء بالضيف وإكرامه في منطقة زواوة وأهم ما يميز طبيعة هذه المنطقة، ويخصص حيز للحديث عن الوصول لقلعة بني عباس وما يميز سوقها عن غيره. ثم تحدَّث حمدان خوجه عن لقائه مع خليفة الأمير عبد القادر في مجانة الحاج “محمد بن عبد السلام المقراني”، ثم أورد حمدان تفاصيل دخوله إلى مضارب قبيلة ريغة، لينتهي بعد ذلك إلى الحديث عن دخوله قسنطينة ولقائه مع قائد عساكر أحمد باي في قسنطينة “بن عيسى” بسبب تواجد “أحمد باي” بعيدا عن قسنطينة، ثم ينتقل بعدها إلى تقديم وصف من شاهد عيان لمدينة قسنطينة وشوارعها وأسعار المواد الغذائية بها خلال تلك المرحلة.
بعد ذلك يحدِّثنا حمدان خوجه عن لقائه بالحاج “أحمد باي” ويقدِّم لنا وصفا لأحمد باي هذه الشخصية المركزية في تاريخ المقاومة. كما يذكر لنا بعض التفاصيل عن جنود الحاج أحمد باي من الانكشارية، ثم بعد انقضاء مهمته يتحدث حمدان خوجه عن مغادرته لقسنطينة وما لقيه من ترحاب من مضيفه بسبب توصيات الحاج أحمد باي. وكيف ركب البحر من عنابة باتجاه مدينة الجزائر.
بعد الفراغ من هذه الرحلة يبدأ “حمدان خوجه” بذكر تفاصيل رحلته الثانية إلى الحاج “أحمد باي” نزولا عند رغبة الدوق دورفيقو الذي كلفه بالمهمة منذ البداية. ويذكر حمدان خوجه كيف تواصل مع أعيان القبائل لتسهيل نفس المسار الذي سلكه ويورد في طريق عودته الثانية أخبار حول التقائه الشيخ المختار الزناتي. كما أورد جوانب مهمة حول العادات الاحتفالية لسكان المنطقة وأنماط الموسيقى التي تُعزف. ثمَّ تحدَّث عن المعارف الزراعية عند سكان المنطقة من أهل التل.
وينهي حمدان خوجه رحلته بإيراد تفاصيل عن تاريخ أحمد باي وسيرته وما حدث من أخبار بداية الاحتلال الفرنسي.
وينتهي العمل الذي يقدِّمه المترجم والباحث “فارس كعوان” بتقديم عدد من الملاحق التي تخص موضوع البحث ومنها صورة لحمدان خوجه وصورة لشجرة عائلة حمدان خوجه، بالإضافة إلى جرد للمصادر والمراجع المعتمدة في الترجمة والدراسة.
في الأخير يمكننا القول إن هذا العمل هو قيمة مضافة مهمة في حقل الدراسات التاريخية التي تعتني بتاريخ الجزائر، نهاية الوجود العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي، وهو وثيقة ومصدر هام يحوي عددا من التفاصيل التي لا توجد في غيره كما أنه يرصد بعض الظواهر الهامة التي تخص المجتمع الجزائري خلال تلك المرحلة.