غابات جيجل ترفض اللون الأسود وتُسابق الزمن لتستعيد خُضرتها
لم تستسلم غابات جيجل، كما غابات الشرق الجزائري، للون الأسود الذي خلّفته الحرائق، ولم يكن الرماد نهاية الحكاية، بل يبدو أنه أصبح بداية جديدة لغابة تعرف كيف تقاوم وتستعيد عافيتها، فبعد 20 يوماً فقط من اندلاع النيران، بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى المساحات التي بدت بالأمس وكأنها فقدت كل مقومات الحياة، وتُظهر حالة الغابات الأن، بالعديد من المناطق، بجيجل، مشاهد لافتة، حيث تحوّل السواد الذي غطى التربة وجذوع الأشجار إلى مساحات تتسلل منها براعم ونباتات خضراء صغيرة، بعضها خرج من بين الرماد، وأخرى ظهرت عند قواعد الأشجار التي نجت من ألسنة اللهب.
المشهد الأكثر إثارة، هو ظهور ألوان خضراء جديدة بمحاذاة جذوع الأشجار المتفحمة، في صورة تختصر قدرة الطبيعة على التجدد، فحتى الأشجار التي بدت محترقة من الخارج، ظهرت عند قواعدها براعم جديدة تحاول شق طريقها نحو الضوء، وفي أماكن أخرى، بدأت نباتات صغيرة تستعيد حضورها فوق تربة لا تزال تحمل آثار الحريق، وكأن الغابة توجه رسالة واضحة، الأسود ليس لونها الأخير، فهذه العودة السريعة للغطاء النباتي، تبرز واحدة من أبرز مظاهر قدرة الأنظمة الغابية، المتوسطية على التجدد، خصوصا لدى بعض الأنواع النباتية التي تمتلك براعم أو أجزاء حية تحت سطح التربة تستطيع إعادة النمو بعد تعرض الجزء العلوي للنيران.
وبينما خلّفت الحرائق مشاهد مؤلمة من الأشجار المتفحمة والأرض السوداء، بدأت الطبيعة في الجهة المقابلة معركة صامتة لا يسمع لها صوت؛ معركة استعادة اللون الأخضر. براعم صغيرة، أوراق فتية وأغصان جديدة تتشكل يوما بعد يوم، في انتظار أن تكبر وتستعيد الغابة شيئا من صورتها التي عرفها سكان المنطقة وزوارها، لكن هذا التجدد الطبيعي لا يعني أن الغابة عادت إلى حالتها السابقة، فالآثار البيئية للحرائق قد تمتد لأشهر، حسب شدة الحريق ونوع الغطاء النباتي والتربة ومدى تضرر الأشجار.
20 يوماً فقط.. والرسالة أقوى من الرماد
مشاهد الغابات، التي استيقظ عليها الجيجليون، مع تلاحم الشعب، ودور الدولة في حد ذاتها مع شعبها، من خلال التعويضات، والتدعيم المادي والمعنوي، مشاهد كلها وثّقت الفرق بين المشهد الأسود الذي خلفته النيران، وبين البراعم الخضراء التي ظهرت بعد 20 يوما فقط، تحمل جانبا إنسانيا وبيئيا مؤثرا، فالغابة التي احترقت تحتاج سنوات حتى تستعيد بنيتها الكاملة، لكنها في الوقت ذاته لا تنتظر البشر حتى تبدأ رحلة التعافي، هي تبدأ من تلقاء نفسها، من جذور بقيت حية، ومن بذور نجت، ومن براعم كانت مختبئة تحت الأرض، وهنا تكمن المفارقة الجميلة، فالنار قد تحرق الأشجار في ساعات، لكنها لا تستطيع دائما قتل روح الغابة، واليوم من بين الجذوع السوداء والتربة المحترقة، يطل اللون الأخضر من جديد، في مشهد يبعث الأمل بأن جيجل ستستعيد غاباتها، وأن ما يبدو للعين نهاية مأساوية قد يكون، في جزء منه، بداية طويلة لولادة جديدة، بشعار غابات جيجل لا تستسلم للرماد.. فإنها تُسابق الزمن لتتنفس من جديد.