الخميس 12 ديسمبر 2019 م, الموافق لـ 14 ربيع الآخر 1441 هـ آخر تحديث 22:11
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

الرياضيات في بلد قَيْس سعَيد!

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة
ح.م
  • ---
  • 7

في يوم 11 نوفمبر 2019، أصدرت مديرية التعاون بوزارة التعليم العالي تعليمة تطلب فيها من المؤسسات الجامعية الإيقاف الفوري للتربصات نحو تونس والمغرب التي يستفيد منها الأساتذة والطلبة الجامعيون. ولم تمض بضعة أيام حتى أصدر وزير التعليم العالي تعليمة تجمّد ذلك القرار. واللافت أنه لا الوزير ولا مدير التعاون برر قراره أو قدّم سبب اتخاذه. وبطبيعة الحال، فهذا الارتجال في اتخاذ قرار من هذا القبيل في أعلى هرم وزارة التعليم العالي يجعل المتتبع والفضولي يتساءلان عن الدوافع.

تعاونٌ لا مفرّ منه

ومما سمعناه من تفاسير محتملة لهذا القرار، فإن السبب هو كثافة عدد الأساتذة والطلبة الذين توجهوا إلى تونس خلال السنتين الماضيتين. واعتبرت الوزارة أن في ذلك إسرافا ينبغي مراقبته بحكم أن التربصات المذكورة تهدف إلى التعاون وتحسين مستوى المتربص.. وتونس ليست بهذا الحجم من التقدّم حتى “نحسّن” فيها مستوانا العلمي!

وفي هذا السياق، فلا أحد ينكر سوء تسيير واستغلال هذه التربصات منذ القرن الماضي نحو تونس وغيرها من البلدان الغربية والمشرقية، ومع ذلك نوّد الإشارة إلى أن ضالة بعض المتربصين الجادين موجودة في تونس والمغرب وغيرهما من البلدان المجاورة، وينبغي أن لا ننظر بعين الاحتقار إلى المكانة العلمية لدى الجيران. ثم إن وزارة التعليم العالي، مع المسؤولين في تونس، كانت قد دعت الأساتذة بجامعاتنا، خلال سنوات خلت، إلى العمل على إبرام اتفاقيات تعاون بين المؤسسات الجامعية في البلدين، وهو ما يعني أن التبادل -في إطار ما يسمى بالتربصات العلمية أو غيرها- مفيد للبلدين.

دعنا نتحدث قليلا عن مجال الرياضيات في تونس؛ فقد اطلعنا على مقال كتبه باحثان تونسيان في الرياضيات نُشر يوم 22 نوفمبر 2019 في مجلة “ليدرز” يُبرزان فيه ريادة تونس على الصعيد الإفريقي في موضوع البحث الرياضياتي، وهذا لا يحتاج إلى برهان، فلتونس علماء في الرياضيات عرفتهم في السبعينيات وخلال العقود الموالية تركوا بصمات قوية في الجامعة التونسية، منهم من رحل، مثل محمد الصالح باوندي (1937-2011) وعباس بحري (1955-2016)، ومنهم نخبة تعمل الآن داخل تونس وخارجها. والظاهر أن النخبة التونسية في المهجر تتعاون -أكثر من أختها الجزائرية- مع الداخل.. وهو أحد الأسباب التي مكَّنت تونس –رغم محنها- من الحفاظ على مستوى محترم في جامعتها (في الرياضيات، على الأقل).

ومن ثمرات هذا التعاون أن الزملاء في تونس استطاعوا إصدار عدة مجلات مرموقة في الرياضيات تنشر بحوثا دسمة، كما استطاعوا منذ الستينيات تأسيس جمعيات تُعنى بالرياضيات، منها “الجمعية التونسية للعلوم الرياضية”، و”الجمعية التونسية للرياضيات التطبيقية والصناعية”، و”الجمعية التونسية للمنافسات والثقافة الرياضياتية”، و”جمعية الرياضيات التونسية” التي يرأسها الأستاذ علي بكلوتي، عضو أكاديمية العلوم (بيت الحكمة) التونسية، وهو كاتب المقال المذكور بمعية الأستاذ الصادق قلال. وكل هذه الجمعيات تنشط في مجال اختصاصها مساهمةً بذلك في خلق حيوية واهتمام بهذا العلم، بل استطاعت تأسيس مشتلة لتكوين النخبة العلمية في تونس.

وفضلا عن ذلك، أدى التعاون بين الباحثين التونسيين في الداخل والخارج إلى فتح مركز عام 2012 يهدف إلى تكوين النخبة في العاصمة التونسية، سُمِّي “المعهد المتوسطي لعلوم الرياضيات” ويديره الأستاذ الصادق قلال، وهو أحد مؤسسي “جامعة الجنوب المتوسطي” بالعاصمة التونسية. يقوم هذا المركز بتنظيم دورات تكوينية للمتفوِّقين ومحاضرات للجمهور، كما يموّل نشاطات تُعنى بالرياضيات وبالمنافسات فيها (مثل المنافسات الأولمبية) ويجلب أساتذة لامعين من الخارج لقضاء فترات بالمركز لتأطير ومرافقة الباحثين الشباب.

التونسيون والجزائريون.. في الهمّ سواء

يدعو مقال الباحثيْن علي بكلوتي والصادق قلال السلطات التونسية إلى العناية بالرياضيات والبحث فيها، ويضرب مثلا بأهمية هذا التوجه مشيرا إلى محرك البحث “غوغل” الذي يجني ملايير الدولارات بفضل البحوث التطبيقية، منها البحوث في الرياضيات. كما أتى المقالُ بمثال آخر يفيد بأن فرنسا قدرت عام 2015 أن القيمة المضافة لاقتصادها التي يوفرها البحث في الرياضيات وتفرعاتها قد بلغت 285 مليار يورو، أي 9% من سوق التوظيف.

وما يهمنا هنا، بوجه خاص، هو مطالب الأستاذين صاحبي المقال لترقية الرياضيات في تونس، نوردها هنا لأنها تبدو شبيهة بالمطالب التي نادى بها كثيرٌ من الزملاء في الجزائر، ولا يزالون منذ 20 سنة أو يزيد. يشير المقال إلى أنه إذا تأخرت السلطات في اتخاذ التدابير المناسبة، فسيكون من الصعب على المدى المتوسط الحفاظ على جودة الإنتاج العلمي التونسي وكميته في مجال الرياضيات. ومن المعلوم أن تونس تعاني من قلة التوظيف والتمويل. ولذا فالتدابير الملحة والاستعجالية هي:
1) تمويل فعّال لمخابر البحث. تعقيبنا: في الجزائر تمويل المخابر يفوق التمويل في تونس، لكنه عشوائيٌّ وبيروقراطي إلى أقصى الحدود.
2) ترقية المدرسة العليا للأساتذة. تعقيبنا: في الجزائر، منذ سنوات تعاني المدارس العليا للأساتذة من كل ألوان التعسف والاحتقار من قبل الوصاية بشكل صارخ.
3) توفير مقرّ مناسب لمركز بحث يُعنى بالرياضيات باعتباره مشروعا وطنيا. تعقيبنا: في الجزائر، دعا الباحثون عام 2000 بمناسبة أول لقاء للرياضياتيين الجزائريين خلال احتفائهم بالسنة العالمية للرياضيات إلى إنشاء مركز بحث وطني للرياضيات.. ولا زال المشروع إلى حد الآن يَئِنّ في رفوف وزارة التعليم العالي ورئاسة الحكومة.
4) ترقية الإدارة المالية للأولمبياد الدولية. تعقيبنا: في الجزائر، يشارك تلاميذنا سنويا في الأولمبياد العالمي للرياضيات بدون انقطاع منذ 2015، وفي كل دورة يبرز خللان أساسيان: من يدرِّب الفريق؟ ومن يموِّل مشاركته؟
ينبّه المقال إلى أنه يمكن أن تقوم جمعيات الرياضيات في تونس بتنفيذ بعض هذه المشاريع. وهنا، قد يتساءل سائل: وما نشاط أساتذة الرياضيات الجمعوي في الجزائر إذا ما قورن بما يجري في تونس؟ الجواب واضح: لا مقارنة تذكر إذ إن جمعية الرياضيات الجزائرية لم تجد منذ عهد بعيد فريقا جادا مضحيًا بوقته يسيّرها تسييرا يساهم في ترقية الرياضيات في البلاد.
ومن جهة أخرى، يشير الكاتبان إلى أن تونس قادرة على أن تقارن نفسها بدول ناشئة مثل إيران التي حققت تقدما معتبرا في هذا المجال، مذكّرين في هذا السياق بأن عالمين إيرانيين فازا بميدالية فيلدز Fields (أعلى وسام في الرياضيات) خلال عامي 2014 و2016. وفي هذا الباب نشير إلى أن رئيس أكاديمية العلوم الفرنسية وأستاذ الرياضيات جاك-لويس ليونس Jacques-Louis Lions (1928-2001) كان قد قارن الجزائر عام 2000 بإسبانيا في مجال الرياضيات! فأين إسبانيا الآن، وأين نحن منها؟!!
وهكذا نلاحظ أن للعاملين في حقل الرياضيات في تونس والجزائر، وكذا المغرب، انشغالات وهمومًا مشتركة ومتشابهة، ولا شك أن التعاون العلمي بين هذه البلدان سيساعدها على تخطي الكثير من العراقيل والصعوبات والإسراع في بلوغ المراد. أملنا كبير في أن يتحقق ذلك!

مقالات ذات صلة

  • والفتنة أشدّ من الانتخابات!

    لا ينكر أحدٌ أن الانقسام السياسي والمجتمعي حول المسار الانتخابي الرئاسي الحالي هو واقعٌ قائم وعميق ومتجذر في كافة المستويات، وهو ما يقتضي التعاطي…

    • 1007
    • 2
  • "حاميها حراميها"..النهاية !

    من الطبيعي أن تخطف "محاكمة القرن" الأضواء من "المناظرة التاريخية"، فما يجري من تصريحات واعترافات وشهادات، وأرقام مفزعة وحقائق صادمة، دوّخت الرأي العام، وأربكت المترشحين…

    • 807
    • 1
600

7 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • عبدو محمد

    شيخ بوبكر روح دير الرياضيات وبركاك من البوليتيك ولا لقيت البوليتيك سهل و الرياضيات صعيبة سينا روح درب جماعة الالومبياد
    اخوك من المدرسة العليا

  • Sadmagdz

    إننا لاندرك قيمة الرياضيات و تطبيقاتها لذا لا نعطيها أهميتها، لو نعلم فقط تطبيقاتها في مجال الصناعات العسكرية مثلا في مجال صناعة الدفعات الجوية لأدركنا كيف تتغير موازين القوة بفضل هذا العلم. وخلاصة اطلبوا العلم و لو في الصين.

  • NASLI BAKIR Aissa

    بارك الله فيك أستاذ. تحياتي.

  • Ahmed

    ملخص المقال : لا تلغو التكوين التحواسي لان تونس متفوقة في الرياضيات. اللي يروح فعلا يتكون , من حقو يروح حتى لليابان. لكن…

  • أستاذ

    التوانسة الأشقاء صنعوا رئيسا مثقفا أما نحن اخترقنا للأسف ولم نتمكن من تعيين مرشح الحراك لأننا بكل بساطة أقل فهما حتى وإن نقرأ ونكتب
    نحن حفظنا شعار ا واحدا يروحو قاع : النتيجة رحنا قاع !!!

  • محمد

    شكرا استاذنا الفاضل على مقالاتكم الرائعة
    للاشارة فقط مقالكم السابق كان له تاثيركبير في عدول الوزيرعن القرارالذي اصدره بخصوص التربصات العلمية الى المغرب وتونس

  • هاني حداد

    طالما أن الفيزياء والرياضيات توأمان لا ينفصلان ولا يمكن لأحدهما أن يتقدم دون الآخر فمن الأحسن الاهتمام بهما جنبا إلى جنب ويضاف إليهما الكيمياء وعلوم الحياة. فكوبا مثلا بالغم من الإمكانيات المحدودة فيها فإن مستوى العلوم البيولوجية فيها من أرقى المستويات في العالم.

close
close