السبت 20 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 18 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 19:38
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

انتشار تكنولوجيا الاتصال، خاصة مع ظهور الجيلين الثالث والرابع للإنترنت، ساهم، ليس فقط في تغيير شكل “المقاومات الرمزية” لأشكال الهيمنة المحلية والعالمية، من تعامل شفهي، أو ما كان يعرف بمعادلة “من الفم إلى الأذن”، الذي هو قانون “الإشاعة”، إلى تعامل بالصورة والصوت والآنية، لسرعة تدفق المعلومة! المعلومة، صارت تتدفق بشكل سيلان متعاظم ومتسارع، حتى إنه لم يعد للسلطة المتحكمة لا الوقت في التصدي لهذا الإعلام “الشعبي” غير المنضبط، المشاغب، ولا الكفاءة في فعل ذلك! فالشباب المشحون قوة، لا تقوى على التصدي له الشيخوخة المزمنة، حتى ولو جندت طاقات شبانية لهذا الغرض!

“البوز”، جزء من هذا التحول نحو المشاكسة الإعلامية والتشويش على الخطاب الرسمي عندنا! ويبدو هو المهمين، قياسا بتوجه “البوز” في الغرب وفي أمريكا مثلا! فإذا كان هذا “البوز” مرتبطا في الغرب بثقافة الاستهلاك وذا أساس تجاري تسويقي ترويجي، عوض معادلة “الإشاعة” والاتصال “بابا لباب، ومن فم إلى أذن”، كما كان الشأن في تقنيات حقب ما قبل تكنولوجيا الجيل الثالث للإنترنت، فإنه، في العالم العربي، ارتبط أكثر بالتعامل مع الواقع السياسي والاقتصادي والأخلاقي: ارتبط بالطابوهات! وما أكثر الطابوهات في العالم الشمولي، أحادي اللسان والعين، وعلى رأسها: السياسة والدين والأخلاق! فقد كانت ثورات الربيع العربي تتكئ على هذه الوسائط، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وبالأخص “فيس بوك”! “البوز” عندنا، رغم أن العبارة مشتقة من “الأزيز”، الذي يصدر عن طيران حشرة لاسعة، الذي يفيد بـ”الإزعاج”، إلا أن هذا التوصيف الإلكتروني يبدو أنه صار من خلال انزلاق سيميولوجي، يحمل دلالة “التشويش” على الخطاب الرسمي ليقدم نفسه في شكل خطاب مواز.

أكيد، أن لكل دولة ومنطقة ثقافة منطق خاص بها في التشويش وفي المقاومة، وفي خلق أجواء “الفكاهة” من التذمر! فالتذمر والاحتقان يولدان أشكالا إبداعية في التعبير عن الرفض والمقاومة “الهادئة الباسلة”، عبر خطاب فني مواز! نحن إذن أمام “فن تقنية الخطاب الجديد المشوش”! لكن بالمقابل، هناك عناصر مشتركة في كل الثقافات، وهي فن “الإضحاك” من أجل الإبكاء! هناك شيء أساسي في ثقافة “البوز” هو الأفلمة! أفلمة السخرية والضحك والنكتة! أي تحويل ثقافة السمعي إلى “ثقافة سمعي بصري كتابي”، منقولة مباشرة ودون حواجز أو رقابة إلى الجيب! هذا إضافة إلى السرعة والآنية! إننا نتحول شيئا فشيئا إلى صُناع الخبر الموازي! لا إلى إعلاميين، بل إلى المبدع في إنتاج الإعلام الموازي، الذي لا يعتمد على تقنيات وخصائص وأخلاقيات الإعلام التقليدي، إنه يعارضها في الشكل والمضمون وفي الأسلوب! إنها تحديث للحديث، وتحويل المعلومة والخبر إلى “فن”، إلى أدب مسرحي كوميدي وإخراج وتعليق ودعابة وصورة وتقطيع وتركيب، غير خاضع لمقاييس “الاحترافية”! بل إن “البوز” ضد الاحترافية نفسها، تحطيم لأصنامها، لأن هذه الثقافة- رفقة أشكال أخرى ظهرت مع تطور تكنولوجيات الاتصال الحديثة الأخرى التي حطمت الأوثان في الأوطان- تريد أن تبني بنيتها الأصلية باستقلالية وبنفَس ثوري مقلوب، ذلك أن السخرية والتهكم، عادة ما يتجهان نحو “قلب المقلوب”، على اعتبار أن الواقع هو عالم مقلوب، وعلينا أن نقلبه رأسا على عقب لكي يتحول إلى وضعه الصحيح، “تمامَ عكس” ما قاله ماركس عن فلسفة “هيغل”.

إعكاس العكس، الهدف منه لدى ثقافة “البوز الاتصالية” هو التشويش على المشوش الأكبر! وقد لاحظنا في الجزائر قبل أكثر من عشرين سنة عبارة “النش” التي تعني نفس معنى “البوز” إنما كان يقصد بها “التشويش” الذي يحصل أثناء التقاط موجات الاستقبال التلفزيونية قبل عصر “الدش”، أيام استعمال الهوائيات! النش، كان تشويشا على الخطاب التلفزيوني الرسمي الأحادي، وصارت عبارة “النش” تقال بمعنى التشويش على كل شيء، لتعني في الأخير رفض الخطاب القائم فرديا كان أم جماعيا والثورة عليه في صمت ودون عنف! إنها آخر أشكال مقارعة “الدش” بالنش! وإعلام الطغم العالمية الحاكمة المهددة لكل القيم! بالمقابل، يتدخل خطاب آخر من فئة “قطعت جهيزة قول كل خطيب” بأسلحة من السحاب لا هي من فئة “الدرن” ولا الشبح ولا الكروز.. إنه بكل بساطة سلاح “البوز”.

https://goo.gl/JHjCis
0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close