الجمعة 17 جانفي 2020 م, الموافق لـ 21 جمادى الأولى 1441 هـ آخر تحديث 13:48
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

بقلمحسن خليفة

ثقافة التسامح المجتمعي ..

  • ---
  • 0
ح.م

يمكن تعريف التسامح بأنه السهولة واللين وخفض الجناح مع الغير، يقال “تسامح” أو “تسمّح”.. والأصل في التسامح الاتساع، ومنه يُقال في الحق مسمَح، أي متّسع ومندوحة من الباطل.

وقد عرفه البعض في الاصصلاح بأنه: “التجاوز عن أخطاء الآخرين ومقابلة الإساءة بالإحسان والعفو وحبّ الخير”.

كما تمّ تعريفه أيضا بأنه “العفو عند المقدرة، وعدم رد الإساءة بالإساءة، والترفّع عن الصغائر، والسموّ بالنفس إلى مراتب أخلاقية عليا ” ( أنظرالتسامح في الإسلام وضرورته المجتمعية لأحمد الحداد) ص10.

في ضوء هذا التعريف الواضح يمكن أن نتساءل عن مقدار ونسبة التسامح في مجتمعنا الجزائري؟ والجواب ينبغي أن ينبنيّ على الحقائق الملحوظة والمشاهدة في الواقع الحيّ، كما يمكن أن ينبنيّ على الوقائع والإحصائيات في المحاكم ومراكز الشكاوى في الدوائر الأمنية وغيرها كالمساجد؛ حيث يُقصد الأئمة كثيرا لفض النزاعات والإشكالات وطلب الصلح في كثير من القضايا الاجتماعية والإنسانية وقضايا الميراث وسواها.

إن المشاهد في الواقع يؤكد على أن مساحة التسامح في علاقاتنا صغيرة، وأن نسبتها ضعيفة في منسوب أخلاقنا عامة وأخلاقنا الاجتماعية خاصة. كما أن الإحصائيات في الهيئات المختصة تؤكد على وفرة الأرقام وكثرة الشاكين والمتصارعين المتعاركين، وقد يكون أكثره بين ذوي الأرحام والأقارب والجيران، في قضايا كثيرة متعددة بسيطة أو مركّبة.

وبناء عليه يمكن القول: إن مساحة النفور التي تترجمها الشجارات والنزاعات والمخاصمات كبيرة وما تفتأ تكبر وتتسع وتمتد أفقيا، لتشمل شرائح وأعمارا ومناطق اجتماعية واسعة، وعموديا حيث تنزل، تنطلق من الأسر والعائلات لتتعمّق في جهاز القرابة وذوي الأرحام؛ وقد صرنا نسمع عن قتل الأصول والفروع ببروده دم، وصرنا نسمع ونقرأ ـ عياذا بالله ـ عن جرائم ومخاز يهتز لها عرش الرحمن .

ولو استعرضنا فقط ما يجري بين الجيران في كثير من المدن والأحياء، لعرفنا حجم الإشكال في هذه المسألة، ولاكتشفنا مقدار افتقادنا إلى هذه القيمة العظيمة من القيّم الإسلامية والإنسانية، وعدم تطبيقنا لما يجب من حقوق الجوار مع بعضنا، بل لاكتشفنا كم نحن غرباء عن فضاء القيّم التي يجب أن تحكم الإنسان المسلم، فكم من جنازة قائمة في عمارة وفي جوارها “عرس” على آخر إيقاعات “الدي جي” والغناء الهابط الذي يستمرّ إلى خيوط فجر الصباح، دون اعتبار للجوار، ولا للمرضى ولا للصغار، ولا للكبار الذين لا يحتملون كل ذلك الصخب الذي يمنعهم من النوم والراحة…وكل هذا دون أن نذكر “البارود” الذي يكاد يصير جزءا من طقوس الفرح، وقد وصل إلى الاحتفاء بنجاح الأبناء في البكالوريا.. يا للعجب… لهذا الفهم الغريب للنجاح والاحتفال به.

باختصار: ثمة حاجة ماسّة.. إلى هذه الثقافة الهامة والضرورية لنسيجنا الاجتماعي والمجتمعي وهي ثقافة التسامح التي ينبغي أن تسري ّ في شرائح مجتمعنا ونسيجه الكلّيّ، وتُزرع في كياننا الإنساني والاجتماعي، وتُربّى عليها أجيالنا الحالية والمستقبلية، وينبغي أن يشمل ذلك شؤون الحياة كلها فيكون التسامح في التعامل، والتعايش، والبيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بين الأزواج وفي الأسر والعائلات إلخ. ولكن من يصنع ذلك يا تُرى: الجواب نحن جميعا يجب أن نصنع ذلك.

مقالات ذات صلة

  • إنّها رحلة جِدُّ قصيرة!

    يُروى في القصص الرّمزية أنّ شابا حليما دمث الأخلاق، كان راكبا على متن حافلة، وكان المقعد الذي بجانبه شاغرا، توقفت الحافلة في منتصف الطريق، ليركب…

    • 204
    • 1
600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close