الأربعاء 28 أكتوبر 2020 م, الموافق لـ 11 ربيع الأول 1442 هـ آخر تحديث 01:16
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

بقلمأحمد محمود عيساوي

جنِّبوا الجامعة صراع وتطاحن العُصب

  • ---
  • 0
أرشيف

فضلا عن أننا نمتلك هياكل جامعية باذخة وأوابد زجاجية هشة الأركان مشلولة الأطراف، وغير قادرة على ممارسة دورها الحقيقي والتنويري والقيادي في المجتمع، وأنها غير جديرة بعملية إنتاج المعرفة بمختلف أنواعها، ورسم خطة طريق لقيادة المجتمع نحو الخيرية الحضارية، وتوجيه النظام السياسي وضبط بوصلته بما تنتجه من كمٍّ  معرفي وعلمي صحيح في شتى المجالات البحثية، والذي يُفيدها في عملية التسيير والإدارة الناجحة والتوزيع العادل للثروة على الجميع ووضع الخطط والمشاريع الاستراتيجية المستقبلية لمواجهة الفتن والأزمات.

يبدو أن الجامعة لم يعد يكفيها الوضع المزري الذي تتجرعه طيلة وجودها الكياني منذ سنة 1962 إلى اليوم، حتى تزيدها عصبات المفسدين المعشعشين في دواليبها وإداراتها ومفاصلها الحيوية سقوطا وتردِّيا وشللا، إذ وقعت طريدة صريعة منذ عقود طويلة كالفريسة السهلة الدسمة في يد العُصب الفاسدة المُفسِدة المتهارشة على ما يُخصَّص لها من ميزانيات ضخمة بالعملتين الوطنية والصعبة والتي تسيل لعاب اللصوص والمفسدين ومن لفّ لفهم من طبقات الطفوليين والمنتفعين والمتكارشين.. ممن يقتاتون من فتات النقل والإقامات والمطاعم والأبنية والمنشآت الجامعية.. وممن يحومون كالذباب والذئاب على سوق الخضر والفواكه واللحم والمواد الغذائية.. وعلى حصص التجهيز بالأسرَّةِ والأفرشة والأغطية والوسائد والكراسي والأرائك وسائر التجهيزات والخدمات الأخرى.. فضلا عن مخصَّصات النقل والتسفار والترحال والعملة الصعبة تحت غطاء المنح والتربصات والمكافآت والرحلات العلمية الكاذبة.. التي يختزن عارَها وجرائمها وكالاتُ الأسفار المحلية والوطنية..

وليت الجامعة الجزائرية المسكينة نجت بروحها سالمة، ونجا معها سالما من العطب والإثخان ما تبقى من خلاصة النخب ممن مازال حي الضمير متيقظ الفكر ناهض الهمة، وليت سفينتها المتكسِّرة نجت بعد أن تركتْ مكرهةً كل ما تملكه وما يُخصَّص لها من ميزانيات ضخمة لتلك العصب الفاسدة والمفسِدة، فتُركت لشأنها ولتدبير حاضرها ومصيرها ومستقبلها، لعل يخرج ممن صلح وحسن منها الخير والنفع القليل، فتمنح لمن بقي سويا ومستقيما وملتزما من بعض ما يجود به أفاضلها من الإداريين والأساتذة والطلبة والباحثين.. من خيرٍ يغطي أو يستر تلك المعايب والجرائم العِظام، أو تُنتج من الخير والمعرفة كِفاءَ ما تشهده من الشلل والفساد والرذائل في حق العلم والمعرفة والمنهج والمقام الجامعي المهتز المهترىء، فتترك لأولئك الفاسدين والمفسدين هذه الميزانيات مقابل تلك الفضائل والخيريات التي يتفضل بها على المجتمع بعض الأكارم الأصلاء..

ومع كل هذا التنازل والصبر والثبات واللامبالاة المنقدحة من بقايا المشهد الجامعي الحزين، لم يرحم الجامعة من عصبات المفسدين الذين لم يكتفوا بما يستولون عليه من فُتات وكأنهم قطَّاع الطرق يتركونها وشأنها، وهذا حال يرضيها لأنه -على أقل تقدير- يُغنيها عن تعويق ما تبقى من حصون الخيرية فيها ليبقى حيا نابضا وناطقا باسم وعن ضمير الأمة الجزائرية المقهورة، ومع كل هذا فلا يترك هؤلاء الأراذل المفسدون قطاعا أو ميدانا أو فضاءً فيها، إلاّ ولوَّثوه ودنَّسوه واخترقوه وعاثوا فيه رذيلة وفسادا وترأسوه وقادوه نحو الهاوية بما في ذلك قطاع الإشراف وسوق المناقشات البائس.. وتراهم يطأونه بأقدامهم المفسدة بكل فظاظة وقساوة ومهانة.. حتى صار لكل عُصبة من تلك العصبات منظماتٌ طلابية تابعة لها، مؤتمرة بأوامرها حسب التسلسل العضوي لمكانتها العصبوية في سلم العصبات.

تلك المنظمات الطلابية التي يقودها غالبية السفهاء والأراذل والمنحرفين من أكسل وأردأ الطلبة كما عرفتُهم وخبرتُهم عن كثب منذ أربعة عقود، ممن لا يحضرون درسا ولا محاضرة ولا تطبيقا ولا نشاطا علميا أو فكريا أو دعويا أو وطنيا.. ثم ينجحون بعد ذلك وتجدهم في قسم الماستر والدكتوراة في الجزائر أو في تونس.. بفعل الضغط على تلك العصبات الفاسدة، التي كانت السبب في اعتمادهم وشرعيتهم، متجاوزين بممارساتهم البربرية والهمجية تلك كل الحدود القانونية والأخلاقية والقيمية.. لقانون اعتماد الجمعيات والأحزاب والمنظمات الطلابية، متخذين بيانات هزيلة وعامرة بالأخطاء اللغوية والنحوية والصرفية والمعرفية والقانونية.. متكأً لمآربهم الرخيصة.. بياناتٌ كاذبة وخاطئة ومضللة، ظاهرها المطالب الطلابية وباطنها الضغط والحضور على عصبة من العصبات التي تجاوزت أو أرادت أن تنال شيئا من الكعكة في حوزة عصبة مفسدة أخرى.. أو في سبيل تحقيق وعودٍ تلقوها من أسيادهم وأولياء نعمتهم، أو لنيل مكاسب شخصية ضيِّقة.. ولاسيما إن حضر موسم الامتحانات ونهاية السداسي.

لقد منحوا لأنفسهم سلطاتٍ وصلاحيات لا يخولها لهم القانون أصلا، ومُلبسين أنفسهم ثيابا لا يلبسها إلاّ المجانين والمرضى بالأسقام النفسية، فيغلقون أبواب الجامعة بأساليب همجية مجّةٍ، تدل على بربريتهم السلوكية وترديهم القيمي والأخلاقي وفراغهم الديني والقانوني والتشريعي لمحتوى ومضمون رسالة ممثل الطلبة، ورسالة ووظيفة المنظمة الطلابية النبيلة، التي مارسها الشرفاء والأراذل القابعون في السجون أيضا منذ أربعة عقود، ويمنعون بجهلهم وتهوُّرهم وخرقهم للقانون الطلبة من متابعة دروسهم، دون أن يتحرك أحدٌ لإيقافهم عند حدهم الذي زاد وطغى في الهمجية والبربرية..

وهكذا يصير –للأسف- حال وواقع الجامعة الجزائرية المسكينة أكثر سوءًا وانحطاطا لما هي عليه، وتصير ممزقة بين صراع وتطاحن العُصبات الفوقية والوطنية والجهوية والمحلية، وتدخل الجامعة في مرحلة وعملية لَيِّ وتكسير الأذرع بين مختلف العصبات لإثبات الوجود والقوة والحفاظ على رمق الحياة وسلامة ضرع البقرة الجامعية الحلوب على شُلل الفساد.. فهذه عُصبةُ الفساد المالي، وتلك عصبة الفساد العلمي المعرفي والمنهجي، وتلك عصبة الفساد التربوي البيداغوجي، وتلك عصبة الفساد الإداري المترهِّل القاتل، ويجيئها أخيرا أذرع العصبات وفيالقها المقاتلة من عصبات التنظيمات الطلابية الكثيرة العدد بلا نفع ولا فائدة ولا قانون ينتظمها، فتفعل ما تريد وكل ما هو مخالفٌ للقانون.

تلك التنظيمات التي يترأسها طلاب غلاظ فِظاظ أجلاف متهورون متعنتون، لا يعترفون بحديث أو بحوار أو بنقاش هادئ وقانوني ومثمر.. فمتى يقررون تنظيم إضراب وهو مخالف في كل الحالات للقوانين الجاري العمل بها، المحير والمشكلة أنه: لا يستطيع أحدٌ أن يمنعهم أو يردعهم البتة، كما لا يستطيع أحد أن يقف في وجوههم أيّاً كان، ويقومون بكل قلة أدب وتهور وعنجهية واستعمال للقوة الجسدية، ويغلقون أبواب الجامعة متى وكيف وحين وعند وأيان.. أرادوا، دون خوفٍ من سلطة أو أمن، وهذا أمر محيرٌ مع محالفتهم للقانون، أو دون وَجَلٍ من زملائهم وزميلاتهم المهانين والخائفين من بطش وانتقام بعض عناصر وأراذل التنظيمات الطلابية، أو دون استحياء من أساتذتهم المحترمين الذين يسهرون على تعليمهم وتأديبهم وتثقيفهم وتنويرهم بحقيقة وجودهم ووظيفتهم الرسالية والتنظيمية.. أولئك الأساتذة الذي يترفَّعون ويتستَّرون أحيانا عن رذائلهم وجرائمهم وتقصيرهم واختراقهم الدائم للقانون الذي اعتمدهم.. ولاسيما في الغياب الإقصائي ونقطة الحضور ونقطة الامتحان وتلخيص الدروس.. مع غيابهم الدائم أو شبه الدائم عن الدروس..

إنها تنظيماتٌ لا تخاف من أحد، لا تستحي ولا تخجل أيضا، ولا تهتم بمطابقة سلوكاتها وتصرفاتها ومواقفها للقوانين الجاري العمل بها، والسؤال الواضح الذي لا يحتاج جوابا هو: من الذي جعلهم لا يخافون ولا يرتدعون مع مخالفتهم للقوانين والمراسيم واللوائح الجامعية المنظِّمة والضابطة لكل سلوك أو نشاط أو موقف تنظيمي طلابي؟

والجواب لا يحتاج إلى تأويل أو تورية أو التفاف أو استدارة يزيد المسألة غموضا، إنه صراع وتطاحن العُصب، إنه التهارش والتكالب العصبوي النتن على ترؤُّس وتزعُّم المشهد الجامعي لتحقيق مكاسب عصبوية ضيقة، إنه شبيه –كما قال أبو حامد الغزالي في الإحياء في باب  المناظرة والجدل- بتناطح التيوس والأقران في الزريبة المنهكة، إذ يُحرِّك فصيلٌ من الفريق المُزاح عن رئاسة المشهد الجامعي كتائبه الطلابية واعِداً إياها بالمطالب والوعود للإطاحة بالفريق القائم، متخذين في ذلك بيانات كاذبة مضللة (يوجد بحوزتي آخر بيان كاذب ومضلل في أرض الواقع)..

ولكم خاطبتُ وحاورتُ مجموع وعناصر وقادة تلك التنظيمات –بحكم أنهم كلهم من ضواحي جهة تبسة النائية وهذا أمرٌ يدعو للريبة والتساؤل- منذ قرابة عقدٍ من الإضرابات والفوضى والاختلالات.. وإلى الأمس القريب فقط، إلى ضرورة تحليهم بالثقافة القانونية اللازمة لممارسة الحق النقابي بهدوء وروية وعلمية وقانونية.. كما نبَّهتهم عديد المرات التي يُقدِمون فيها على إضراباتهم الفوضوية والمخالِفة للقانون، على ضرورة تلقيهم تكوينا قانونيا لتحسين وضبط أدائهم التنظيمي الجمعوي، فضحك مني بعضهم واستهزأ لعلمهم أنهم لا علاقة لهم بهذا كله، فهم قد اختفوا عن المشهد الطلابي وغطّوا في سباتٍ شتوي وصيفي وربيعي وخريفي عميق وطويل جدا طيلة فترة الحَراك المبارك، ولم يظهر لهم أي أثر أو حضور حتى في مسيرات الحَراك الطلابي التي كانوا غائبين عنها، وخرجوا اليوم من جحورهم للتشويش المتعمَّد والمباشر على المشهد الانتخابي كمخرج دستوري وقانوني وحيد وواحد اليوم للأمة الجزائرية الباحثة عن الاستقرار والأمن والطمأنينة، وليس لهم أي غرض سواه.

وما أحب أن يعرفه هؤلاء الفوضويون المتهورون من المنتمين إلى أذرع وفيالق عُصب الفساد أن القانون الذي ينظم شؤون الطلبة يتعلق بهذين الفرعين فقط، وهما: (1– الإقامة والإطعام والنقل. 2– التربية والتعليم والبحث العلمي والنشاط الثقافي) فقط، ولا يحق لهم حشر أنوفهم في غير هذه الحقوق والمطالب كما يفعلون في كل مرة يُطلب منهم التحرك فيها من قبل القوى وعصب الفساد الخفية، كأن يتدخلوا في صلاحيات رؤساء الأقسام والعمداء ورؤساء الجامعات وفي كيفيات تسييرهم لأمورهم الإدارية وفي اختيار موظفيهم ومرؤوسيهم ونحوها.. فهؤلاء يحاسَبون وفق السلم والقانون الإداري أمام رؤسائهم كل حسب درجته وموقعه، فرئيس القسم هو مسؤول ويحاسَب أمام عميد الكلية، وعميد الكلية بدوره يحاسب أمام مدير الجامعة، ومدير الجامعة هو مسؤول أمام الوزير.. وهكذا.. وليس من صلاحية المنظمات الطلابية إلباس أنفسهم لباسا لم يعطهم إياه قانون اعتمادهم كمنظمات طلابية تُدافع عن حقوق الطلبة فقط، وبالأساليب القانونية فقط. وليس من صلاحية المنظمات الطلابية إعطاء أنفسهم مكانة ودرجة وسلطة لم يخولها لهم القانون أصلا كما يفعلون تهورا وجهلا وتآمرا.. ويجب أن يُوقَفوا عند حدهم نهائيا، إما بقوة القانون، أو بقوة القوة التي يستخدمونها في حق أساتذتهم وإدارتهم وزملائهم، وإلاّ دخلنا في عصر الفوضى وعاشت الجامعة الجزائرية وستعيش ردحا من الزمن العاثر تحت رحمة العصبات والمفسدين، وهذا في حده نداء إلى السلطة الفعلية في البلاد وإلى الجهات الوصية لاتخاذ الإجراءات الصارمة حيال هذه المنظمات المفسدة في الجامعة.

كما يجب أن تعلم هذه المنظمات الطلابية أن الإضراب هو آخر خطوة في طريق المطالبة بحقوق الطلاب، وأن المطالب أنواع مختلفة منها السهل، ومنها الصعب العسير تحقيقه، والمتعلق بعامل الزمن والميزانية والمناقصات… وأنّ الإضراب لا يعني قانونيا البتة استخدام القوة الجسدية والعنف في قهر الطرف الآخر الراغب في طلب العلم واستمرار الحركة العلمية الجامعية من طلبة وإداريين وأساتذة، كما أن الإضراب ليس هو منع الطلبة من ممارسة حقهم في التعلم والتمتُّع بالحصة التربوية.. إن الإضراب يعني أن يُضرِب الطلاب المشتركون والمنتمون لذلك التنظيم فقط، ولا يعني أن يُقهر البقية فيمنعوا من ممارسة حقهم القانوني..

وهذا نداء ثانٍ – وهو ليس اختبارا لنوايا السلطة والجهات الوصية- نوجِّهه لأولي الأمر آملين ومتطلعين إلى أن يلتفتوا -بعد نجاح الرئاسيات التي سيتَّجه إليها مجموع الشعب الجزائري بقوة للخلاص من الأزمة- إلى الجامعة فيصلحوا من شأنها المتردي في جميع قطاعاته، ويبعدوا عنها هيمنة وسيطرة العصب المتهارشة والمتكارشة، ويقطعوا أذرعها الطلابية الضاربة في مقاتل المشهد الجامعي. إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير وعريض، أللهم اشهد أني بلغت بكل صدق وصراحة وشجاعة.. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله الذي يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

مقالات ذات صلة

  • جمعية العلماء وفرنسا واللائكية

    كما هو معلوم أن الدولة الفرنسية دولة لائكية علمانية، وهو مفهوم يعبر عن فصل الدين عن شؤون الدولة، وبالمقابل عدم تدخل الحكومة في الشؤون الدينية،…

    • 35
    • 0
  • عهدة دونالد ترامب الحاسمة!!

    دونالد ترامب يجدد بقاءه في البيت الأبيض، برنامجه الرئاسي لم يكتمل، ولن تترك الأمور على عواهنها في منتصف طريق لا يكتمل إلا بإدارة من بدأه،…

    • 1067
    • 1
600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close