السبت 11 جويلية. 2020 م, الموافق لـ 20 ذو القعدة 1441 هـ آخر تحديث 21:30
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

بقلملمباركية نوّار

هل عاش في قرية “بوصالح” الأوراسية؟

  • ---
  • 0
ح.م

منذ الفتح الإسلامي المبارك، ظل سكان القطر الجزائري (المغرب الأوسط، سابقا) متعلقين بالقرآن الكريم، ناظرين في نصوصه وآياته، تلاوة وفهما وشرحا وتفسيرا ودراسة وتدبرا. واستمرت هذه العلاقة الانقرائية ممدودة مع تموجات الزمان بلا انقطاع، منذ أول تفسير أنجزه الشيخ هود بن محكّم الهُواري، المنتسب إلى قبيلة هُوارة البربرية. وهو التفسير الذي بقي نائما في سدف الغمر قرونا من الزمن، ولم ينتشر بين الناس ليستفيدوا منه. ولولا بعض النسخ التي حُفظت في مكتبات مدائن وادي مزاب الأثيل ومدينة جربة التونسية ما وصلنا منه شيء، وما بقي منه أثرٌ يُذكر.

اكتشفت اسم الشيخ هود بن محكّم الهُواري، لأول مرة، من خلال قراءتي مقدمة كتاب “الجواهر الحسان في تفسير القرآن”، للشيخ المفسر المالكي الجزائري عبد الرحمن الثعالبي (1385 ـ 1468م) الذي حققه الدكتور عمار طالبي، وطُبع طباعة أنيقة في خمسة مجلدات متفاوتة الحجوم. ورغم أن الاسم استوقفني، إلا أنني لم ألاحقه ببحث كاشف يزيدني تعرُّفا عليه بقدر أكبر.

مازلت أذكر أنني لما كنت في زيارة مودَّة للشاهد على قرن من الزمن، فضيلة الشيخ سعيد شريفي “الشيخ عدّون”، رحمه الله، في مسكنه العامر الواقع خارج القصبة القديمة لمدينة القرارة الآمنة حاضرة العلم في وادي مزاب، ذكرتُ اسم هذا المفسِّر المنسيّ هود بن مُحكّم لما كنت أهمُّ بتوديعه، فما كان من الأخ الطبيب أحمد بيوض إلا أن جذبني من كتفي، وزاد الأستاذ بلحاج شريفي نجل الشيخ عدّون دنوًّا من مكان وقوفي منتظريْن مني إفاضة في السرد واسترسالا في الحديث عمن ذكرت. وحينما أيقنا أنني لا أملك معلومات مُغنية أخرى، سكتا وتبادلا النظرات في صمت. ولما وقعت بين يدي نسخٌ من كتاب “تفسير كتاب الله العزيز” الذي حققه الأستاذ بلحاج شريفي تحقيقا يُشكر عليه، استرجعت الموقف السابق الذي مررت به منذ سنوات، وأدركت أن تفسير الشيخ هود بن محكّم الهواري كان مادة علمية خاما يعمل على تحقيقها هذا الأخير، وقتذاك.

يعترف المحقق المدقق الأستاذ بلحاج شريفي أن موارد المعلومات المتعلقة بحياة المفسر هود بن مُحكّم الهواري شحيحة، ولا تفي بحاجة الباحث الذي يرغب في التقاط إجابات مريحة عن كل أسئلته. بمعنى أن هناك ظِلالا يكتنفها الاستبهام ويكفنها الغموض في ما يخص سيرته الذاتية. فحتى أولئك المؤرخون الكبار والمنقبون عن سِير الأئمة والشيوخ والعلماء، لم يجد بين أيديهم ضالته، ولم يصادف في ما خلَّفوه مؤونة تغنيه عن السؤال وتكفيه مشقة إطالة البحث والنظر. ولعل انعزال منطقة الأوراس المعروفة بتضاريسها الجبلية الوعرة، وصعوبة الوصول إليها في أزمان ندرت أو قلت فيها وسائل النقل، وابتعادها النسبي عن الحواضر العلمية، هي العوامل الكبرى التي أبقت مفسِّرها الكبير الشيخ هود بن مُحكّم بعيدا عن الأضواء. ولولا نسخ تفسيره للقرآن الكريم القليلة التي توارت طويلا في الرفوف والخزائن لاختفى اسمه تماما، ولن يكون له ذكرٌ على لسان أو ورودٌ في سطر. وعلى خلاف ذلك، فإن لوالده مُحكّم الذي اشتغل بالقضاء ترجمة حُفظت؛ لأنه قارع العمل الرسمي، واختلط بالناس، وجالسهم في مجالسهم ونواديهم ودواوينهم، وعرفوه وتعرَّف إليهم. ولذا نجد أن “ابن الصغير” مؤرخ الدولة الرستمية، وهي أول دولة إسلامية في شمال إفريقيا، التي لم يكن على مذهبها، يستعرض مواقفه وجرأته ومتانة أخلاقه وانحيازه إلى الحق في السر والعلن. ويؤكد أنه سكن جبال الأوراس، مما يعني أن ابنه هود سكن هو الآخر هذه البقعة من أرض الجزائر.

يذكر من منحوا متابعاتهم لتاريخ الأوراس أن المذهب الإباضي كان منتشرا في ربوعه، ويعود فضل ذلك إلى الدولة الرستمية التي بسطت يدها على أغلب أراضي القطر الجزائري المعروفة حاليا. وهذا يعني أن علاقة منطقة الأوراس بالإباضية قديمة، تزيد عن عشرة قرون من الزمن. ويقرؤون هذا الحضور في بصمات التراث المادي المشاهَد وفي مخلفات ورواسب الإرث المعنوي؛ فمن حيث طريقة إنجاز المساكن ومظاهر النمط المعماري وفن البناء، نجد أن المؤرخ الفرنسي كلود موريس روبار يذكر في مذكراته التي صدرت في الجزائر سنة 1938م، ما يلي: (ليس عجبا أن تتشابه الدشرة الشاوية مع النمط المعماري المزابي، ويعود ذلك إلى الرستميين والعصر الذهبي للإباضية، إذ كان سكان الأوراس إباضية خوارج). ولا أريد أن أسترسل من دون الوقوف عند آخر كلمة من الاقتباس السابق؛ فالإباضيون ليسوا خوارج، ولم يغادروا الملّة ويرموا بطوقها الطاهر من رقابهم. وإنما خروجهم كان ضد الحكام المستبدِّين بسبب تشبُّثهم بالشورى المطلقة، ورفضهم تولي منصب الإمامة عن طريق التعيين وتوظيف النسب. وبمفردات عصرنا، فقد كانوا متمسكين بالعمل بمستلزمات الديمقراطية في الاختيار. وأريد من القارئ العارف والمنصِف ألا يتردد، ومن باب مشايعة الحقيقة التاريخية الناصعة، أن يتحفظ عن لفظة “الخوارج” التي زُجَّ بها بين السطور بلا تيقُّن. وتجرُّنا الملاحظة الخفيفة إلى تأكيد أن مزاولة بعض الشعائر الدينية عند الأوراسيين لا تزال تحتفظ ببقايا وخصوصيات من سجف المذهب الإباضي. ولا يزال أثر التلاقي والتلاقح لصيقا بعاداتهم الموسمية وهي بادية في تصرُّفاتهم وفي جوانب من طرائق عيشهم، وفي ألبستهم التقليدية، وحتى في ألوان ورسومات ونقوش أثاثهم المنسوج، وفي أوانيهم المنزلية المصنوعة محليا من الطين.

أخذت قرية “بني هود” (وأسماء الأعلام ترفض التصريف، وتحافظ على ثبات شكلها كما نُطق به أول مرّة. وقد تكون خفة حركة الكسرة على اللسان هي التي فرضت كسر نون كلمة: “بني”)، أخذت لنفسها موقعا جنوب مدينة أريس على بعد سبعة من الكيلومترات في منحدر الطريق المؤدي إلى مدينة بسكرة بعد أن يخلف واحة مشونش الغنَّاء على جانبه الأيسر. واستلقت معظم مساكن هذه القرية، حتى في طور تجديدها، على كتلة صخرية تبدو كهضبة يصعب تحديد قمَّتها أمام من يلقي إليها ببصره من الأسفل. ومما لا شك فيك أن اسم “بني هود” قديم، آت من أعماق التاريخ، كما هي أسماء الكثير من القرى الواقعة في الرقعة الأوراسية. ولكن، وبمرور الوقت، تعرَّض لمفاسد التحريف والتغيير والإدغام وسيطرة اللسان الدارج الذي لا يصون لكلمات اللغة العربية الفصحى حرمتها على الدوام. وبسبب ذلك، أصابت الاسمَ الجميل “بني هود” طفرةُ الهجن، وتسلط عليه التحوير القبيح المشين الذي أخفى معناه الأول، وسلخه عن أصله الرائع الذي لو دام لحمل إلى الناس مفخرة أخرى من مفاخر الأوراس. وأصبحت الألسن تنطقه والأقلام تكتبه “بلّهود” أو “بلّيهود”. ولم تولد هذه النسخة المشوَّهة سوى ما يثير الاستياء والخجل والشعور بالتقزُّز والنفور من قبل قاطنة هذه القرية. وللعلم، فإن القرية يعمرها بطنان من بطون قبيلة الدواودة الأوراسية المعروفة بالاستقامة وحسن التديُّن وحب اللغة العربية وخدمتها للقرآن الكريم حفظا ونشرا، وهما: بطن اللحالحة وبطن أولاد عيشة. ومن باب الاحتمال الغالب أن يكون الشيخ المفسر هود بن مُحكّم قد استوطن هذه القرية أو سكن في مكان قريب منها.

ولما كان الأوراسيون يمجِّدون أهل العلم ويُنزلونهم منزلة التوقير فقد أطلقوا اسم الشيخ هود على هذه البقعة في حياته أو بعد موته إحياء لاسمه الزكي وتخليدا لذكره الطيِّب. ومن فرط احترامهم له نسبوا أنفسهم إليه حبا وتبرُّكا. ولو ظلت مآثر الشيخ هود بن مُحكّم بارزة، ولم يسحقها النسيان والتجاهل، وجرت المحافظة على تاريخه اللامع وجهده في التأليف والدعوة إلى دين الله بالذكر والتذكُّر والتذكير، لظل اسمه عاليا ومعاندا لذرى جبال الأوراس، وموشحا للمكان في نقاء، وجالبا لساكنة هذا المكان أكاليل الفخر وقلائد الاعتزاز.

في النصف الأول من ثمانينيات القرن المنصرف، جرى تغييرُ اسم القرية، وأصبحت تدعى “بوصالح”. وهو نسخة اسمية مستلفة من اسم المرتفع الجبلي الذي يفصلها عن مدينة تكوت. ويرى مقترح هذا الاسم أنه يعجُّ بصفتي التفاؤل والتيمُّن، ولا يقابَل بالرفض، لأنه جامعٌ وتوافقي. ولو حصل إدراك النبض والحركة المعتملين في جوف الاسم الأول “بني هود”، وما فيه من قطر وعطر قبل تحريفه ما كان أحدٌ يقدم على التفكير في استبداله باسم مأخوذ من الجغرافيا والتفريط في وصمة تاريخية رائقة يُغبطون عليها.

إن صحّت وصدقت هذه المتابعة الاستقرائية المتواضعة، فهل ينهض سكان قرية “بوصالح” عن بكرة أبيهم للمطالبة باسترجاع اسمها القديم “بني هود”؟ ولو يقدمون على ذلك، فإنهم سيدوِّنون صفحة مشرقة في سفر التاريخ فحواها أن أول تفسير للقرآن الكريم في أرض الجزائر المحروسة قد أنجز في قريتهم “بني هود” الآمنة والساكنة. وإن عاد هذا الاسم لامعا متلألئا كالنجم، فسيفجِّر في قلوب الناس ينابيع أخرى من الإحساس بعظمة الأوراس ذي الجلال والجمال مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close