-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الإفلاس السياسي وانهيار القيود المفروضة على استخدام القوة

علي لكحل
  • 393
  • 0
الإفلاس السياسي وانهيار القيود المفروضة على استخدام القوة

جاء التغوُّل الصهيوني في غزة مستخدما أبشع الأساليب النازية الإرهابية، وهذا التوجه المتطرف جاء في لحظة التسويق لمفهوم التطبيع وما سمِّي “الاعتدال العربي”، الذي شكل مجرد آلية منحت الوقت لمدرسة الغزو العسكري الصهيوني للعبث بالمنطقة، واستمرار العدوان، وفي مرحلة تتسم بحدة التنافس الدولي غابت فيه الحلول السياسية لأهم قضايا الأمة وهي القضية الفلسطينية، الأمر الذي شجع جيش الاحتلال على التمادي في تنفيذ برنامج اليمين المتطرف والأحزاب الدينية الصهيونية لتكون القوة اللغة الوحيدة التي تدار فيها معركة يفترض أنها معركة سياسية ما يهدد الأمن الإقليمي والدولي.
والواقع أن التوجه نحو التطبيع يعني استعداد طرف للتنازل عن حقوقه القومية والوطنية، وفي هذا الإطار جاء مسار التسوية منذ كامب ديفيد 1979 واتفاق أسلو 1993 ووادي عربة 1994 والاتفاق الإبراهيمي 2000، للدلالة على الانتقال من الصراع إلى التسوية في تحديد العلاقة مع الكيان الصهيوني، كبديل عن الحروب الرسمية النظامية التي لم تحقق هدف التحرير، لكنها سجّلت منحنى بيانيا يؤكد أنه منذ حرب 1973 بدأ نوع من العدّ التنازلي للكيان الصهيوني، جسدته انتصارات جزئية في مصر ولبنان وغزة، وربما اعتقدت القوى الراعية للكيان الصهيوني أن التسوية هي أحد منافذ إنقاذ الكيان الصهيوني وإعادة ترتيب القوة. ولأن الحرب النظامية والتسوية لم تحقق هدف التحرير جاءت المقاومة الشعبية بديلا ينتهج حرب العصابات التي أوجعت الكيان الصهيوني.
وفي لحظة التراجع الأمريكي الذي سيقود معه تراجعا مؤكدا للكيان، لم يعد أمام كل ذلك سوى مجموعة من السياسات غير العقلانية أمام الاحتلال والقوى التي تسنده، والتي منحت للقوة العنان لتكون الفاعل الوحيد في المعركة، يصاحبها خطابٌ عنصري وديني متطرف، يؤكد إفلاس العقل الغربي بشكل عامّ والفكر الأمريكي الصهيوني بشكل خاص.
جاء في تقرير مجموعة الأزمات الدولية: (في لحظة التقلب الدولية، تنهار القيود المفروضة على استخدام القوة حتى لأغراض الغزو والتطهير العرقي). والمشكلة هنا أن نفس الأطراف الغربية التي دفعت باتجاه التسوية هي من تدفع نحو الحرب، وأصبح الطريق إلى السلام حسب نتنياهو، هو تهديد الأمن القومي للأردن ومصر والسلطة الوطنية الفلسطينية، فهو يجعل عباس كحماس، لابد من التخلص من سلطته، ولابد أن تكون مصر والأردن بديلا للفلسطينيين عن الدولة، وهو ما يعني تقويض عملية التسوية السلمية لتصبح التسوية استمرارا للعدوان وليست طريقا للدولة أو استرجاع الحقوق العربية سلميا.

إذا كان المنطق هو من يتحكم في العقل السياسي للقوى المهرولة نحو التطبيع اليوم، فإنّ أحداث غزة ستدفع نحو كبح جماحها للتراجع ألف خطوة عن مسار التطبيع، فالتجربة الأردنية والمصرية في التسوية مع العدو الصهيوني قادت بعد عشرات السنين من اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة، لتهديد الأمن القومي للبلدين، فلا عهد لمن لا عهد له، ولا أمان في كيان تقوم عقيدته على التوسع والتفوق والاستعلاء والعنصرية.

وإذا كان المنطق هو من يتحكم في العقل السياسي للقوى المهرولة نحو التطبيع اليوم، فإنّ أحداث غزة ستدفع نحو كبح جماحها للتراجع ألف خطوة عن مسار التطبيع، فالتجربة الأردنية والمصرية في التسوية مع العدو الصهيوني قادت بعد عشرات السنين من اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة، لتهديد الأمن القومي للبلدين، فلا عهد لمن لا عهد له، ولا أمان في كيان تقوم عقيدته على التوسع والتفوق والاستعلاء والعنصرية.
التطبيع اليوم لا يستهدف السلام، بل هو التوقيع على استعدادك للمساومة على أمنك القومي غدا.
لقد أكدت الأحداث الأخيرة في غزة:
1- أن الكيان غير قادر عن الدفاع عن نفسه بعيدا عن الدعم الغربي وخاصة الأمريكي منه، لكن يؤكد أيضا أن التراجع الدولي الأمريكي يعني المزيد من المتاعب للكيان الصهيوني.
2- إن تصدع التحالف الغربي بسبب ضغط الرأي العام الغربي هو أحد أسباب إضعاف عملية الدعم.
3- إن التحول في الداخل الأمريكي الذي يؤكد أن الجيل الجديد، وبفضل تطور وسائل التواصل أصبح أكثر إدراكا ووعيا بحقيقة الوضع الفلسطيني، بعيدا عن الجيل الذي كان رهينة وسائل الإعلام الأمريكية التي تقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني. كل ذلك أدى إلى شراسة رد الفعل الصهيوني والذي يؤكد كما وصفه الشاعر تميم البرغوثي (إن شراسة العدو ضعفٌ وخوف، فالعدو محتمي بالسماء لأنه خائفٌ من الأرض). الاحتماء بالسماء والقصف الجوي المتواصل يشير إلى فقدان السيطرة على الأرض، كما أن استهداف المدني يؤشِّر لسقوط جيش الاحتلال أمام المقاومة. كما أن الوضع الميداني يؤكد مدى ارتباط الشعب الفلسطيني بأرضه ومقاومته، بينما أرقام المهاجرين الصهاينة نحو الخارج تؤكد صلتهم الواهية بالأرض.
إن التنافس الدولي بين أهم القوى الكبرى وغياب الحل السياسي جعل الجميع تحت خطر القوة، لذلك جاء في تقرير مجموعة الأزمات الدولية: (يتعين على زعماء العالم أن يعطوا الصراعات التي يُفترض أنها مجمدة الاهتمام الذي تحتاج إليه قبل فوات الأوان، كما أظهرت المأساة في غزة).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!