-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محاولة لتفكيك المرجعية الإيديولوجية للاحتفال بيوم الشهيد

محاولة لتفكيك المرجعية الإيديولوجية للاحتفال بيوم الشهيد

تساءلتُ كغيري من الكتّاب والباحثين والمؤرخين عن سبب ووجاهة اختيار يوم 18 فيفري 1990م عيدا وطنيا للشهيد؟ كما تساءلت أيضا كلّما حلّت بنا الذكرى: لماذا بالذات اختيار هذا اليوم من كل عام للاحتفال وليس غيره؟ كما تساءلت أيضا عن ماهيته وكنهه ورمزيته ومرجعيته وأصالته ودلالته؟ وتساءلت أيضا رافعا صوتي قائلا: هل عقم سجلُّ وتاريخ الأمة الجزائرية من وجود يوم رمزي وطني نحتفل فيه بيوم الشهيد؟ أم ماذا دار في الكواليس من نقاشات حول اختيار هذا اليوم؟
بحثت وفتّشت وقلت في نفسي لعله يوافق إعدام الشهيد أحمد زبانة بالمقصلة؟ وتبيّنت أنه سيق إلى الإعدام بالمقصلة يوم 19 جوان 1956م. وبحثت أيضا قائلا: لعله يوم استشهاد القائد الرمز مصطفى بن بولعيد أو العربي بن مهيدي أو عباس لغرور أو مريم بوعتورة أو غيرهم من قافلة الشهداء التي لا تنتهي.. وتبيَّن لي أن الأمر له علاقة ببنية ولبّ الأطر المرجعية المتحكّمة والمنظِّمة لمثل هذه المناسبات والاحتفالات.
واستقر بحثي ونظري واستقرائي لرفوف المكتبة التاريخية المتنوعة وما رشحت به من الحقائق اللامعة من تاريخ الثورة الجزائرية في أن المشكلة تكمن أساسا في أننا منذ أكثر من سبعة عقود خلت ونحن نتعرض لأبشع عمليات غسل وحقن وتزييف إيديولوجي ثوري هجين ووافد من ينابيع الأطروحات الماركسية والعلمانية والفرنكوفونية المهيمنة على صناعة وتقديم النص التاريخي وغيره المتداوَل رسميا.. زيادة على تقديم وتسويق حملة دعائية ثورية مموّهة لرؤية وعقيدة مدوِّني غالبية قرارات ومواثيق الثورة الجزائرية وأطرها التنظيمية والسياسية المتحكمة في سيرورة الثورة الجزائرية منذ قرارات مؤتمر الصومام 1956م عدا بيان أول نوفمبر 1954م الأصيل وطنيا. فيما سعت وعملت تلك القوى المتوثبة على مراكز التصوُّر الثوري والتاريخي وغيره جاهدة على ضخّ وحقن إيديولوجيتها لتنقية ما تبقى وطنيا وثوريا رسميا وشعبيا يحمل روح ومواصفات القيم الثورية الوطنية الأصيلة بهدف تقديم مرجعية وافدة ومقصودة ومفبركة لتبنّي واعتماد الرؤية الرسمية الثورية عن أحداث وتاريخ الثورة الجزائرية بكل تفاصيلها، وهذا للأسف الشديد ما حصل؟ وذلك عائدٌ إلى فرض النسخة الرسمية للسردية التاريخية السائدة اليوم في حقل الدراسات التاريخية النمطية أو الدِّعائية المتبنّاة حيال بعض الأعياد الثورية والمناسبات الوطنية كيوم المجاهد واليوم الوطني لضحايا التفجيرات النووية والألغام ويوم الشهيد…

باعتقادي، فإنّ يوم الشهيد هو اليوم الذي سقط فيه أولُ شهيد قضى نحبه في سبيل الله في جبال الأوراس ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م لمن لا يعرفه المدعو (عمر أقرور)، وابنه ما يزال يعيش حيا في مدينة أرّيس إلى اليوم وقد فاق السبعين من العمر، واليوم الذي أوذي فيه أوَّل جريح في سبيل الله ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م لمن لا يعرفه (محمد القط) الذي التقط رصاصة استعمارية من الأرض وعالجها، فانفجرت فيه.

ونحن هنا كباحثين ودارسين وقارئين لمكتبة عريضة من المصادر التاريخية المختلفة بشقّيها الوطني الأصيل والدخيل المتآمر والمحايد أيضا، نجد أنفسنا إزاء ثلاث نسخ حول أحداث الثورة الجزائرية، إحداها حقيقية وفعلية مركونة في بعض السُّطور والصفحات النائية من رفوف المكتبة الوطنية التاريخية الجزائرية المحصورة بين المطّلعين والباحثين الحقيقيين، ومنها يستطيع الباحث الوطني تأليف مجموعة كتب تاريخية وطنية أصيلة وصادقة ومميزة. وعلى سبيل السياق أسوق مثالا وأقرر خلاصته للقراء أن مجاهدا كتب مذكراته في أكثر من ثلاثمائة صفحة كلها تاريخ ومرويات ومنقولات عامّة يعرفها طلاب الجامعات وما كتبه له علاقة بالأحداث الثورية التي عاشها لا يتعدى سوى أربع صفحات فقط (الصفحات من 171 إلى 175) خوفا من سطوة اللوبي التغريبي الوافد والمتحكّم في طبيعة ونوعية وأصالة وأطروحات النسخة التاريخية الرسمية الواجب تقديمها والمحافظة عليها في وجه الحقائق الصحيحة والساطعة والتي ستلغي النسخة الرسمية المزيفة لو ظهرت على ساحة العرض التاريخي.
وثانيها -للأسف الشديد- هي النسخة الرسمية المتبناة والمتداولة التي سهر على تزويرها وتقديمها وفرضها على أنها هي الرواية الحقيقية، والتي صوّرت الخونة والقومية والحركة مجاهدين شرفاء، والقتلة والمجرمين رموزا وأبطالا شجعانا، وقدّمت أحداث الثورة وفق رؤيتها ومرجعيتها وطلبا لرضى القوى الخفية والتآمرية التي سعت لتصدرها المشهد الفكري والثقافي والتاريخي والعلمي للجزائر المسلوبة بأيدي التيارات العلمانية والماركسية والحداثية الموالية للقوى العالمية المهيمنة والراغبة في استبقاء الجزائر تابعة لهم عبر هذه النُّخب المرتهنة والمأجورة.
والنسخة الثالثة هي النسخة والرواية المحايدة التي تسعى لتكون وسطا بين الاتجاهين السالفين، وهي للأسف الشديد ممنوعة من التداول والتعاطي حتى بين مجموع الباحثين، فثمّة وثائق تتناول شخصياتٍ على أنها اغتيلت من قبل الاستعمار وهي في الحقيقة صُفّيت في ليل مظلم بهيم بأيدي اتجاهٍ ما في الثورة.
وبعد هذه التوطئة الإشكالية والفلسفية المنهجية الضرورية لمستنقع تدوين تاريخ الثورة التحريرية المبتسر والهجين بين الحقيقة والتزييف نتساءل: من اقترح هذه المناسبات؟ وهل ثمة جهةٌ علمية متخصصة هي التي اقترحت هذه التسميات؟ وهل بالفعل عملت الآلة العلمية على تسمية واقتراح مثل هذه المناسبات والاحتفالات؟ أم أن الأمر مجرد فكرة يتمّ تبنّيها رسميًّا من غير دراسةٍ ولا بحث؟ وذلك ما أخشاه، لأن الكثير من هذه المناسبات تدلّ على حقيقة ورائحة الجهة الإيديولوجية الوافدة والوفية للخارج من أنها هي التي سعت لترسيمها دستوريا.
كما نتساءل أيضا عن كيفية وآلية اختيار يوم مناسبة وعيد وطني؟ ونجيب عنه في إطار السياق الثوري الوطني، ونتساءل: لماذا لا يعتبر يوم اغتيال أب الثورة التحريرية الشهيد الوطني المخلص مصطفى بن بولعيد يوم 22/03/1956م، أو استشهاد محمد العربي بن مهيدي يوم 04/03/1957م أو يوم إعدام القائد عباس لغرور بتونس من قبل بعض قادة الثورة يوم 25/07/1957م أو يوم استشهاد القائد الفذ شيحاني بشير يوم 23/10/1955م.. أو يوم استشهاد البطلة مريم بوعتورة يوم 08/06/1960م أو يوم 17/10/1961م بمناسبة قيام المظاهرات في فرنسا وإلقاء جثث المتظاهرين الجزائريين في نهر السين؟ ولماذا ننتظر حتى يصل يوم 18/02/1990م؛ أي بعد مرور قرابة ثلاثين سنة على الاستقلال وست وثلاثين سنة على قيام الثورة التحريرية واندلاع العمل المسلح.. ونسمّيه يوم الشهيد؟ وفي اعتقادي وفهمي أنه تصوُّرٌ غير مبرر وفعل غير مؤسَّس معرفيا وحضاريا وقانونيا.
باعتقادي، فإنّ يوم الشهيد هو اليوم الذي سقط فيه أولُ شهيد قضى نحبه في سبيل الله في جبال الأوراس ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م لمن لا يعرفه المدعو (عمر أقرور)، رحمه الله تعالى.. وابنه ما يزال يعيش حيا في مدينة أرّيس إلى اليوم وقد فاق السبعين من العمر. وقد صدر لي كتابٌ مطبوع بدار “نور” للنشر وعنوانه “اختراق المخابرات الفرنسية.. الثورةَ الجزائرية والتمكين للتيار التغريبي الفرنكوبربري”، وهو مهدى إليه، ومهدى أيضا إلى أوَّل جريح أُوذِي في سبيل الله ليلة الفاتح من نوفمبر 1954م لمن لا يعرفه (محمد القط) الذي التقط رصاصة استعمارية من الأرض وعالجها فانفجرت فيه (انظر: عمر تابليت وصالح بن فليس، العقيد الحاج لخضر، ص: 27)، ومهدى إلى أولى شهيدات الثورة التحريرية (منصورة بوستة) و(جمعة بوستة) و(فاطمة جغروري) و(فاطمة برحايل) زوجة المجاهد الشهيد القائد الفذ والبطل الشجاع وأحد الخارجين عن قوانين فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية (حسين برحايل) اللائي قضين تحت القصف الهمجي يوم 15/11/1954م بالأوراس، رحمهن الله تعالى.. (انظر: عبد السلام حباشي، من الحركة الوطنية إلى الاستقلال مسار مناضل، ص: 164).
فهل من مسؤول في دوائر القرار يصغي لهذه الأطروحة المنهجية العلمية الحضارية المتجذِّرة؟ علمُ ذلك عند ربي وعند من يقرأ المقال، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • إسماعيل الجزائري

    كل ما في الأمر أنه يصادف الذكرى الأولى لتأسيس منظمة أبناء الشهداء (18\02\1989)!