السبت 19 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 19 صفر 1441 هـ آخر تحديث 20:18
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

حتى الإعدام قليل عليكم

حسين لقرع كاتب صحافي
ح.م
  • ---
  • 1

ما ينضح هذه الأيّام من معطيات بشأن ملفات فساد بعض كبار المسؤولين ورجال المال المسجونين إلى حدّ الساعة، يؤكّد أنّ هناك جريمة كبيرة كانت تُرتكب بحقّ الجزائر منذ عقود، وتفاقمت في عهد بوتفليقة الذي دام عشرين سنة كاملة، وكادت تقودها إلى الإفلاس.

نتذكّر جميعا أن بوتفليقة قد وعد بإنعاش الاقتصاد عقب “انتخابه” الصوري في أفريل 1999 رئيسا للجمهورية، لكن فترات حكمه الأربع كانت وبالا كبيرا على الجزائر التي تحوّلت إلى مرتعٍ للفساد والفاسدين، ولم تُنعش برامجُ الإنعاش الوهمية سوى جيوب كبار رجال المال المتحالفين مع السلطة، في حين ازداد الاقتصادُ تدهورا والشعب فقرا وخصاصة حتى أصبح آلاف الشبان يرمون أنفسهم في البحار للهروب من البطالة في بلدٍ غني بثرواته وحقق مداخيلَ قياسية هي الأعلى منذ استقلاله بفضل ارتفاع أسعار النفط التي بلغت 132 دولارا في بعض الفترات.

بدل أن تكون قوةً اقتصادية كبيرة كتركيا وماليزيا… بلغت البلادُ حافة الإفلاس بسبب تغوّل الفساد ونهب ثروات البلاد بشكل ممنهج وغير مسبوق في تاريخها. لقد أهدرت الجزائر أكثر من ألف مليار دولار كانت كافية لبناء قارّة، على مشاريع غير مُنتِجة وتُمنح بالمحاباة لرجال مال محظوظين مقرّبين من الرئيس وحاشيته، ليقوم هؤلاء بإنجازها بتكلفةٍ خيالية وبأموال عمومية من خلال الحصول على قروض ضخمة من البنوك العمومية بتوصياتٍ هاتفية من كبار المسؤولين، أي “من لحيته بخّر له” كما يقول المثل الجزائري، حتى أن رجل مالٍ حصل على قرض ضخم بقيمة 18 ألف مليار سنتيم لإنجاز مشروعٍ لنفخ عجلات السيارات سُمِّي زورا “مصنعاً”.. وهكذا ضاعف رجالُ المال الفاسدون ثرواتِهم، في حين لم يتقدّم الاقتصادُ الوطني خطوة واحدة على درب الإنتاج وتخليصه من طابعه الريعي النفطي الذي جعله رهينة تقلبات أسعار البترول على الصعيد الدولي.

لقد بلغ العبثُ بالمال العامّ درجة السفاهة، وكان الفاسدون من حاشية بوتفليقة وحلفائِه المحظوظين من رجال المال يغترفون منه بلا حسيب أو رقيب ويتصرّفون بمنطق عصابة علي بابا واللصوص الأربعين. لقد أمعن المسؤولون المستهترون في احتقار الشعب ولم يتحلُّوا بروح المسؤولية ولم يكونوا رجال دولة ولا غيورين على وطنهم، كانوا يريدون فقط البقاء في المسؤولية لنهب خيرات البلاد، بينما كانت عقولهم في فرنسا، حيث هرّبوا بعض أموالهم واقتنوا عقارات لأبنائهم..

اليوم يُساق هؤلاء اللصوصُ والفاسدون إلى السجون والمحاكمات تحت صيحات الشعب الغاضب “كليتو البلاد يا السرّاقين”، ليأخذ كل منهم جزاءه بقدر جرمه، نسمع اليوم بأحكامٍ إجمالية تصل إلى 80 سنة سجنا لبعض كبار المسؤولين المسجونين، وهي أحكامٌ ليست قاسية إذا صدرت بحقّهم، الإعدام نفسه قليل بحقّ هؤلاء الفاسدين عديمي الضمير الذين تحالفوا مع رجال مالٍ انتهازيين على نهبِ البلاد وتدمير الاقتصاد الوطني ونشرِ الفقر واليأس و”الحرقة” على نطاق واسع، ما تسبَّب في معاناة ملايين الجزائريين.

نأمل فقط أن يُرفَق سقوطُ عصابة الفساد بنجاح الحراك في تحقيق باقي أهدافه وفي مقدّمتها تغيير النظام وإقامة حكمٍ ديمقراطي راشد قائمٍ على مؤسّساتٍ قوية تمارس دورَها الرّقابي الفعّال على المال العام، وهذا حتى لا نستبدل عصابة استبدادية فاسدة بعصابةٍ أخرى قد تكون أشدَّ منها استبدادا وفسادا.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close