author-picture

icon-writer

الفتور: هو داءٌ يمكن أن يصيب بعض المتدينين، أدناه الكسل والتراخي والتباطؤ، وأعلاه الانقطاع أو السكون بعد النشاط الدائب والحركة المستمرة.. قال تعالى: "وله من في السماوات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون"، أي‭ ‬أنهم‭ ‬في‭ ‬عبادةٍ‭ ‬دائمةٍ‭ ‬ينزهّون‭ ‬الله‭ ‬عما‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬به،‭ ‬ويصلون‭ ‬ويذكرون‭ ‬الله‭ ‬ليل‭ ‬نهار،‭ ‬لا‭ ‬يضعفون‭ ‬ولا‭ ‬يسأمون‭.‬

  • ووضح‭ ‬من‭ ‬التعريف‭ ‬السابق‭ ‬أنّ‭ ‬للفتور‭ ‬مظاهرَ‭ ‬مثل‭ ‬ترك‭ ‬الشيء‭ ‬بعد‭ ‬المداومة‭ ‬عليه،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬فعله‭ ‬بالكيفية‭ ‬المطلوبة،‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬الشيء‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬الرغبة‭ ‬فيه،‮ ‬وبالتالي‭ ‬يكون‭ ‬إجبارا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬اختيارا‭.‬
  • أما‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬الفتور‮ ‬فهي‭ ‬كثيرة،‭ ‬وسنتحدث‭ ‬عن‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭:‬
  • 1 - الوقوع في المعاصي، وخاصة صغائر الذنوب.. قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير"، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" رواه أحمد.
  • فقد‭ ‬يفرح‭ ‬الإنسان‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬كبائر‭ ‬الذنوب‭ ‬ـ‮ ‬وله‭ ‬أن‭ ‬يفرح‭ ‬بذلك‮ ‬ـ‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬حذره‭ ‬من‭ ‬صغائر‭ ‬الذنوب،‭ ‬ولا‭ ‬يبالى‭ ‬بها،‭ ‬وتؤدي‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الفتور‭. ‬
  • 2 - الغلو والتشدُّد في الدين؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" رواه أحمد. والغلو يكون بالانهماك في الطاعات وعدم إعطاء البدن الراحة الكافية للقيام بها، فتؤثِّر الطاعات على الإنسان تأثيرًا عكسيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬تؤدي‭ ‬الغرض‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬تم‭ ‬فعلها،‭ ‬فتصاب‭ ‬النفس‭ ‬بحالةٍ‭ ‬من‭ ‬الكسل‭ ‬والدعة،‭ ‬وهو‮ ‬ما‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬الفتور‭.‬
  • 3 - الإسراف في المباحات؛ وهو عكس السبب السابق، ولكنه يؤدي إلى نفس النتيجة، لأن الإسراف في المباحات يعوِّد النفس الراحة والكسل والخمول، وبالتالي ترك الطاعات أو عدم فعلها بالشكل والكيفية المطلوبة، فينشأ في النفس حبٌّ لهذه المباحات واستثقالٌ للطاعات وعدم الصبر‮ ‬على‭ ‬أدائها،‭ ‬يقول‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭:‬‮ "‬يا‭ ‬بني‭ ‬آدم‭ ‬خذوا‮ ‬زينتكم‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬مسجد‭ ‬وكلوا‭ ‬واشربوا‭ ‬ولا‭ ‬تسرفوا‭ ‬إنّه‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬المسرفين‮"‬‭.‬
  • 4 - صحبة أصحاب المعاصي أو المسرفين في تعاطي المباحات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" رواه الترمذي، فإنك إن صاحبت صاحب المعصية، فإما أن تقع معه فيها، وإما أن تراه يفعلها ولا تنكرها عليه؛ وكلاهما منكرٌ ويؤدي إلى‭ ‬الفتور‭.‬
  • 5-قلّة تذكُّر الموت وأمور الآخرة؛ وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إني نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة" رواه أحمد، وفي رواية: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة" رواه الترمذي، فتذكّر الموت والآخرة يجعل الإنسان دائمًا في شعورٍ حيٍ واتصالٍ وثيقٍ بالله، لأنه يستقر في وجدانه أنه مهما طال عليه العمر فإنه يلاقي الله عز وجل، وعدم تذكّر الموت والآخرة يؤدّي إلى نسيان الهدف من الحياة، وبالتالي إلى الفتور والكسل والدعة.
  • وبعد؛ فهذه أهم الأسباب المؤدية إلى الفتور؛ وأما عن آثاره، فقد ذكرناها ضمن سؤالك، فهو يجعل الإنسان ينتقل من حالٍ إلى حال، ومن حركةٍ ودأبٍ إلى خمولٍ وكسل، ومن صلةٍ طيِّبةٍ وقويَّةٍ بالله إلى صلةٍ ضعيفةٍ به؛ وبالتالي ينقلب الميزان الذي يقيس به الإنسان أعماله،‭ ‬وتصبح‭ ‬الأعمال‭ ‬السيئة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الحسنة‭.‬
  • هذه الآثار على المستوى الشخصي للإنسان، أما على مستوى الأمة، فيصبح الشخص بعد أن كان عاملا من عوامل البناء والعمل والإصلاح والدعوة إلى الخير، ساكنًا وخاملاً ولا يُصلح وهذا على أحسن الأحوال ـ إن لم يكن يفسد ـ فيقل عدد المصلحين في الأمة، وهذا يؤثّر تأثيرًا مباشرًا‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬وعلى‭ ‬نهضتها‭ ‬وحضارتها‭ ‬وصعودها،‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬الصالحين‭:‬‮ "‬يا‭ ‬ملح‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬تفسدوا،‭ ‬فإن‭ ‬الملح‭ ‬إذا‭ ‬فسد‭ ‬لا‭ ‬يصلحه‭ ‬شيء‮"‬‭.. ‬فإن‭ ‬فسد‮ ‬المصلحون‭ ‬فمن‭ ‬يصلحهم‭ ‬ويقوِّمهم‭!‬؟
  • * نصل بعد ذلك إلى التفكير في العلاج من هذا المرض العضال، والعلاج ابتداءً هو في الغالب بمخالفة الأسباب، فكل سببٍ ذكرناه سابقًا من أسباب الفتور يكون فعل عكسه هو خطوة في طريق العلاج، ومع هذا لا بأس من ذكر بعض الوسائل العملية للعلاج بجانب ما سبق:
  • 1 - عليك أن تبدأ كل عملٍ من الأعمال التعبديّة بشحن النفس تجاه هذا العمل، ولنأخذ مثالاً على ذلك بالصلاة.. فإذا قمت إلى الصلاة عليك أن تستحضر في ذهنك ـ أو تكتبها في ورقةٍ وتقرأها ـ كل الآيات والأحاديث الواردة في الصلاة، وفضلها وثوابها ووقتها، وفضل الخشوع فيها‭.. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭:‬
  • "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين" و"واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة الاعلى الخاشعين" و"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين" و"إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا" و"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر‭ ‬والله‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬تصنعون‮"‬‭.‬‮ ‬وهكذا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لآيات‭ ‬الصلاة‭ ‬أو‭ ‬معظمها،
  • أما الأحاديث:  قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس‮ ‬والجمعة‭ ‬إلى‭ ‬الجمعة‭ ‬كفارة‭ ‬لما‭ ‬بينهن‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تغش‭ ‬الكبائر‮"‬‭ ‬رواه‭ ‬مسلم‭.‬‮ ‬وقوله‮ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮"‬صلاة‭ ‬الجماعة‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬صلاة‭ ‬الفذ‭ ‬بسبع‭ ‬وعشرين‭ ‬درجة‮" ‬متفق‭ ‬عليه‭.‬
  • وهكذا بالنسبة لباقي الأحاديث أو معظمها؛ فإنك إن جمعت الآيات والأحاديث الواردة في الموضوع، وكتبتها في ورقة وقرأتها قبل كل صلاة، فبذلك ستجدد بداخلك معاني الطاعات والعبادات، كي لا تتحول العبادة إلى عادة. ولكن لتؤدي هذه الوسيلة ثمارها، فعليك بالمداومة عليها، ومثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬العبادات‭ ‬مثل‭ ‬الصوم‭ ‬والذكر‭ ‬إلخ‮…‬
  • 2 - عليك كذلك قبل أن تبدأ في الأعمال التعبدية أن تسأل نفسك: لماذا أفعلها؟ وتحضر ورقةً وقلمًا وتدوّن كل نواياك في هذا العمل، وفكر في نوايا كثيرة وسجّلها، وستحصل على كميّةٍ كبيرةٍ من النوايا كنت غافلاً عنها وأنت تقوم بهذا العمل، فيساعدك هذا على استشعار قيمة هذا‭ ‬العمل،‭ ‬وحجم‭ ‬الثواب‭ ‬الذي‭ ‬ستحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬ورائه،‭ ‬وسيزيد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إيمانك‭ ‬ومن‭ ‬إقبالك‭ ‬عليه‭.‬
  • 3 - القراءة في كتب الرقائق والآخرة مثل كتاب "الإيمان أولا.. فكيف نبدأ به" للدكتور مجدي الهلالي، فإنه يعطيك صورةً جيِّدةً عن الإيمان، وكيفية التزود به، والوسائل العملية لذلك، ولا تنس أن تكون القراءة مع التطبيق لتتحقق الفائدة المرجوة.
  • 4 - كثرة الاستغفار والتسبيح والذكر، فإن هذه من أعمال اللسان التي لا تتطلّب وقتًا مخصصًا لها، ولكنها تفيد في صفاء القلب وخلوه من المعاصي والذنوب، فيمكن الإكثار منها في المواصلات، وقبل النوم وفي كل حال.