author-picture

icon-writer مبعوثة الشروق إلى لبنان: لطيفة بلحاج

من يزور لبنان بعد عامين من حرب تموز يصعب عليه أن يصدق ما تراه عيناه من إعادة إعمار شامل لكل الضواحي والمناطق التي دمرت عن كاملها إثر العدوان الإسرائيلي، فقرى الجنوب المتاخمة للحدود الفلسطينية تحولت إلى جنة على الأرض، واخضرت بساتين التين والزيتون، وزاحمت العمارات الجديدة في الضاحية الجنوبية لبيروت التي تضررت كثيرا من الحرب، المباني القديمة، فلم يبق من العدوان سوى الذكريات الأليمة فقط.

  • فكل شوارع العاصمة بيروت تحولت إلى ورشات ضخمة، حيث انطلقت عملية إعادة الإعمار مباشرة بعد حرب أوت 2006، ولم تتوقف أشغال البناء في كل من حارة حريك وشارع الشيخ راغب حرب منذ عامين تقريبا، وكذا شارع بير العبد، حيث دمر الطيران الإسرائيلي 26 دور للنشر، إلى جانب عشرات المنازل.
  • ويبدو جليا بان الحرب أثرت كثيرا على العاصمة بيروت، التي ما تزال تحاول استرجاع تناسقها وتجانسها المعماري، كما أن البنايات المهدمة ما تزال لحد الآن كما هي، وتلك الحفر الضخمة التي أحدثتها القنابل الإسرائيلية ما تزال هي الأخرى شاهدة على بشاعة العدوان.
  • أزيد من 370 مليون دولار لإعادة الإعمار
  • تم تأسيس مؤسسة "وعد" مباشرة بعد حرب صيف 2006، وتولت على عاتقها إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت، وتشييد كافة البنيات التي هدمها العدوان الإسرائيلي، لكن بكيفية أكثر انسجاما مما كانت عليه المدينة سابقا، خاصة من ناحية إعادة توسيع الطرقات الرئيسية للعاصمة بيروت، واستحداث مواقف للسيارات أسفل البنايات الجديدة، وقد تكفلت مؤسسة وعد بالجزء الأكبر من تكاليف البناء، مستعينة بمساعدات جاءتها من بعض الدول العربية.
  • وبحسب مسؤول المؤسسة السيد حسن جيش، الذي التقيناه خلال زيارتنا للبنان فإنه من ضمن 12 ألف غارة إسرائيلية قام بها العدو الإسرائيلي على لبنان، ثلثها استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما يمثل حوالي 4000 طلعة، في حين أن الدمار مس 1100 بناية، ويضم كل مبنى حوالي 40 شقة إلى جانب عدد من المحلات، ما يعني أن 37 ألف شقة دمرت عن كاملها تقريب.
  • وقد التقى في تلك الفترة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله المتضررين، وكان عددهم حوالي 5000 شخص، واقترح عليهم حلين، إما أن يتكفلوا بأنفسهم بإعادة الإعمار من خلال المساعدات التي تقدمها الدولة وكذا الحزب، أم أن تتولى مؤسسة "وعد" المهمة دون أن يسدد المتضررون أي مبلغ مالي، فكان رد 75 في المئة منهم هو القبول بالاقتراح الثاني.
  • وفي تقدير السيد جيش الذي التقيناه بمقر مؤسسة "وعد" ببيروت، فإن أشغال البناء التي انطلقت في 2007، ستنتهي كأقصى تقدير في 2009، حيث سيكتمل إنجاز 226 بناية، وذلك بتكلفة قاربت 370 مليون دولار، وهي مرشحة للارتفاع بسبب ارتفاع سعر العقار في لبنان بعد الحرب، ويضاف إلى هذا المبلغ الإعانات التي تقدمها دول إسلامية وعربية، لم يشأ مسؤول المؤسسة أن يذكرها بالاسم.
  • سقوط 18 جنديا إسرائيليا في معركة دارت بمرآب للسيارات
  • يبدو جنوب لبنان لزائره أكثر هدوء مقارنة بالعاصمة بيروت، كما أن الطريق المؤدي إليه جزء هام منه يطل على البحر، فمدينة صيدا وصبرا وشتيلا وكذا صور وهي منطقة سياحية بالدرجة الأولى، تبدو فيها الحياة مختلفة تماما، فهي على غير بيروت تملؤها بساتين الموز والتين والحوامض، وصولا إلى القرى المتاخمة للحدود مع فلسطين، وهناك تنتشر بشكل ملفت للانتباه مزارع التبغ، التي تقتات منها عديد الأسر في الجنوب.
  • حيث تلتزم كل أسرة بزراعة مساحة معينة من التبغ، وتقوم بتجفيفه على أن تبيعه للدولة، وبما أن الحاجة عادة ما تجبر الفرد على الإخلال بتلك الاتفاقيات، فإن أغلب تلك الأسر تقوم بزراعة مساحة أكبر عن تلك التي يتم الاتفاق حولها، وتقوم ببيع الفائض من الإنتاج إلى الخواص، بما يضمن لها مداخيل إضافية.
  • ويستعين المزارعون بأبنائهم وزوجاتهم في جمع المحصول ورصه في خيوط رفيعة، ولا يستغرب الواحد منا إن رأى أفراد أسرة بكاملها يتجمعون في محل مخصص لبيع المازوت مثلا، ويقومون برص نبتة التبغ بعد جنيها قصد  تجفيفها.
  • وهنا بالجنوب حيث ينتشر عدد من الضيعات كما يسميها اللبنانيون أو القرى، التي لا تحمل من صفة القرية سوى الإسم فقط، لأن الحياة فيها تبدو أفخم من العاصمة في حد ذاتها، ويبدو ذلك جليا من الفيلات والمباني الجميلة والفاخرة التي تملؤها، وفي هذه المناطق بالذات دارت أشرس المعارك بين المقاومة اللبنانية التي يمثل حزب الله والجيش الإسرائيلي.
  • ففي ضيعة سربين ودبل وبنت ليف دارت مواجهات عنيفة على شكل حرب عصابات بين الجنود الإسرائيليين وأفراد المقاومة الذين كانوا يتوزعون بإحكام بين المباني والأحراش.
  • ولعل من أبزر المواجهات تلك التي كان مسرحها مرآب للسيارات في قرية دبل التي يغلب عليها السكان المسيحيون، فقد نصبت المقاومة كمينا لدورية إسرائيلية كانت تعبر المكان في محاولة للتغلل إلى قلب الضيعة، التي كانت تبدو وكأنها خالية على عروشها، لكنها فوجئت بهجمة شرسة، سقط فيها أزيد من 11 قتيلا إسرائيليا، في حين اضطر الباقون إلى الهرب والعودة بإدراجهم إلى داخل الأراضي الفلسطينية، علما ان الجنود الإسرائيليين كانوا يشنون هجماتهم مصحوبين بمراسلين صحفيين وكاميرات تصوير، التي صورت العديد من لقطات الانهزام والتراجع إلى الخلف للإسرائيليين أنفسهم.
  • في "عيتا الشعب" المقاومة أسرت الجنديين الإسرائيليين
  • في عيتا الشعب وهي منطقة جبلية آهلة بالسكان، كانت أهم المواجهات وأكبر الخسائر بالنسبة للجيش الإسرائيلي، كما أنها من أكثر قرى لبنان التي تكبدت خسائر في الأرواح وفي الدمار الذي لحق بالمباني،
  • ولولا صور الضحايا وشهداء المقاومة التي ما تزال تملأ المكان وتزين طرقات ومداخل المنطقة، لا صعب على من لا يعرف عيتا الشعب ما عاشته من هول المعارك والمواجهات.
  • وطيلة أيام الحرب لم يتوقف الجيش الإسرائيلي عن شن حرب نفسية قذرة ضد السكان، مستعملا في ذلك مكبرات للصوت لإرغامهم على الهرب والتخلي عن مساكنهم.
  • وفي قرية شبعا قامت المقاومة بأسر جنديين إسرائيليين، وهي الحادثة التي لم نتمكن من جمع معلومات كافية حولها، لأنها في نظر قياديين في المقاومة من الملفات المغلقة.
  • وفي الحدود ما بين فلسطين وبيت شبعا حاول 2000 جندي إسرائيلي التغلغل المنطقة إلا أنهم لم يفلحوا في ذلك، لأن شباب القرية واجهوهم ببسالة لمدة 22 يوما كاملة دون انقطاع.
  • وفي عيتا الشعب دمر جيش الكيان الإسرائيلي 50 بيتا، أي حارة بكاملها، وألحق الخراب بكل مظاهر الحياة، حتى بالمزارع التي بدأت تخضر من جديد.
  • صديقين .. من هنا قصف حزب الله إسرائيل
  • لقد كانت قرية قانا وهي أيضا تقع في جنوب لبنان مسرحا لمجزرة بشعة ارتكبها العدو الإسرائيلي في حرب 96، حيث أطلق 35 قذيفة على مركز كان تابع للأمم المتحدة، لجأ إليه سكان المنطقة هروبا من الحرب، ما أدى إلى وقع 102 شهيدا، من ضمنهم 60 طفلا.
  • وفي المنطقة ذاتها سقط عديد الضحايا المدنيين في حرب 2006، وهناك أيضا كان تواجدا مكثفا لعناصر المقاومة الذين أقاموا عديد المخابئ وسط الجبال، من بينها المخبأ الذي حظينا بزيارته، وهو يتواجد في أعلى جبل بقرية صديقين تغطيه الأشجار، استغرقت عملية حفره وتجهيزه حوالي ستة أشهر كاملة، وهو يسع لحوالي 21 جنديا، ويضم حماما ومطبخا، وقاعة للمداواة، وكل غرفه مصفحة بالخشب، ودخل المخبأ هو عبارة عن دهليز عميق.
  •  وفي هذا المخبأ كان عناصر المقاومة يطلقون الصواريخ على الجنود الإسرائيليين، لكنه أضحى اليوم من المواقع "المحروقة"، حسب تعبير أحد المقاومين، بعد أن تم اكتشاف أمره وتصويره من قبل الإسرائيليين.
  • وكانت أيضا مارون الراس التي تقابلها المستعمرة الإسرائيلية في فلسطين أفيفين، وهي تبدو من بعيد عبارة عن تجمع سكني من بيوت يعلوها القرميد، مسرحا لأهم المعارك بين عناصر المقاومة والجيش الإسرائيلي، وبهذه المنطقة بالذات لم يكن العدو الإسرائيلي يتوقع وجود مقاومين، فقد حاول التغلغل إلى المكان في اليوم السابع من اندلاع الحرب، للوصول إلى نهر الليطاني، لكنه فوجئ بردة فعل المقاومين، حيث قضت المقاومة على 12 من جنوده.
  • بوابة فاطمة.. النقطة الأقرب إلى مستعمرة أفينين
  • يعد كفر كلا الواقع أقصى جنوب لبنان وتتواجد به بوابة فاطمة، وهو أيضا منطقة جبلية من أكثر المناطق قربا من فلسطين... بناءاتها الشامخة تطل على أقرب مستعمرة إسرائيلية،
  • ويقترب الطريق الرئيسي لبوابة فاطمة بشكل ملفت للانتباه للسياج الحدودي الذي يفصل جنوب لبنان عن الحدود الفلسطينية، وهناك ترى الجرارات والجرافات التابعة للفلاحين الإسرائيليين وهي تعبر الطريق، وتسير وراءها دبابات العدو الإسرائيلي، قصد حمايتها.
  • وتبدو المستعمرات الإسرائيلية أكثر اخضرارا، مقارنة بالأراضي الحدودية اللبنانية، ومرد ذلك حسب سكان تلك المناطق إلى خشية المزارعين اللبنانيين من المضايقات التي يلقونها من جانب الإسرائيليين في حال إقدامهم على زراعة تلك الأراضي الخصبة، فالإسرائيليون يتوغلون من حين إلى آخر داخل التراب اللبناني خلسة، ويقومون بتخريب المحاصيل الزراعية من قمح وأشجار وغيرها، إلى جانب سرقة التربة، وهي ممارسات لم يفهمها سكان المناطق الحدودية، ويعتبرونها جبنا من جانب العدو لا غير.
  • وفي الشريط الحدودي الفلسطيني حينما تمد بصرك إلى مستعمرة أفيفين، تظهر لك من بعيد أشكال تشبه الخيام مموهة بأوراق الأشجار، وهي في الواقع عبارة عن مراكز عسكرية يختفي وراءها الجنود الإسرائيليون، ويستخدمونها لمراقبة الحدود اللبنانية وتحركات سكان القرى المحاذية لفلسطين، ورغم شكلها الغريب إلا أنها لا تعني شيئا بالنسبة لسكان قرية بوابو فاطمة، فهم لا يعيرونها أي اهتمام، فالحركة تعم القرية ذات المناظر الطبيعية الخلابة، التي أسالت لعاب العدو الإسرائيلي فحاول استيلاء على المنطقة في حرب 2006.
  • وبمنطقة الخيام وهي منطقة مرتفعة دمر الجيش الإسرائيلي معتقلا في حرب 2006، كان يسيطر عليه قبل تحرير جنوب لبنان سنة 2002، وهناك كان يحتجز كل من يشتبه فيه بدعم المقاومة، ويعرضه لأشد أنواع التعذيب، وفي ذلك المكان بالذات توفي عديد من اللبنانيين.
  • وقد حولت المقاومة المعتقل بعد تحرير المنطقة إلى متحف شاهد على بشاعة الاستعمار الإسرائيلي، وما تزال تتواجد به بعض الصور التي تعد دليلا على معاناة كل من مر على المعتق، حتى النساء والأطفال، وما تزال أيضا موجودة غرف الحجز الانفرادي، وهي عبارة عن صناديق حديدية لا تتسع لشخص واحد.
  • من الدمار إلى إعادة الإعمار
  • مباشرة بعد عدوان 2006 تحولت كل المناطق التي دمرتها القنابل الإسرائيلية، إلى ورشات مفتوحة، وما تزال أشغال البناء وإعادة الترميم متواصلة إلى غاية يومنا هذا في الضاحية الجنوبية لبيروت، باستثناء بعض الأحياء الراقية التي لم يمسها العدوان، منها تلك التي يقع فيها فندق الماريوت.
  • في حين أن الحياة عادت إلى طبيعتها بسرعة في القرى الجنوبية، التي تنتشر فيها فيلات متناسقة من حيث الهندسة المعمارية، وهي أغلبها ملك للبنانيين مغتربين، ما جعل تلك القرى تبدو أكثر جمالا من العاصمة بيروت في حد ذاتها.
  • وبحسب المعلومات التي استقيناها فإن بعض القرى اللبنانية المحاذية للحدود الفلسطينية، لا تدب فيها الحياة سوى في فصل الصيف، في حين تظل منازلها شاغرة طوال أيام السنة تقريبا، لأن المغتربين لا يقصدونها إلا في فصل الحر قصد الاستجمام، ومعظم النواحي الجنوبية للبنان هي عبارة عن مناطق جبلية، لكن هواءها عليل، وقضاء فصل الصيف فيها أفضل بكثير من قضائه على شاطئ البحر.
  • وتبدو العاصمة بيروت خاصة الضاحية الجنوبية منها، وكأنها مرهقة من حرب تموز، فالمنطقة تعرضت لقصف انتقائي، لأن العدوان الإسرائيلي كان يسعى لتدمير معاقل المقاومة، فأغلب سكان الضاحية الجنوبية من أنصار حزب الله،
  • كما يظهر بشكل واضح للعيان الفارق في المستوى المعيشي بين اللبنانيين، ففي الأحياء الراقية بالعاصمة بيروت تظهر الحياة مختلفة تماما، فالعمارات فخمة وجميلة، وشوارع هادئة.
  • حزب الله .. حزب بحجم دولة
  • يختلف حزب الله الذي ذاع صيته أكثر في لبنان بعد حرب تموز 2006، في تنظيمه الداخلي وتجنيده لأنصاره، عن الأحزاب السياسية في باقي البلدان العربية وحتي في لبنان نفسه، فبلوغ مسؤوليه وإجراء لقاءات صحفية معهم ليس بالأمر الهين، لأن ذلك يتطلب أولا المرور عبر معهد الدراسات الإعلامية التابع للحزب، وهو ما أكده لنا مدير المعهد السيد حسين رحال.
  • ويتولى المعهد مهمة التحري حول حقيقة الصحفيين الأجانب الذين يطلبون إجراءا حوارات مع مسؤولي حزب الله، ويتمحص طبيعة المهمة التي أتوا من أجلها، لأن الأمر يتعلق بتشكيلة سياسية تواجه العدو الإسرائيلي، الذي عمد إلى تصفية قياديين سابقين في حزب الله، من بينهم الأمين العام السابق وكذا عماد مغنية.
  • وعلى خلاف تيارات أخرى في لبنان من بينها تيار المستقبل والتيار الوطني الحر، فإنه ليس لحزب الله مقر محدد في لبنان، بعد أن دمر الجيش الإسرائيلي مقره السابق، فقياديوه يتواجدون في مقرات سرية لا يعلمها إلى المقربين فقط منهم، وحراسهم الشخصيون
  • كما أن العديد من مناضلي الحزب ينشطون في ظل السرية، وقد تتحدث إليهم ويتعاملون معك في إطار محدد دون أن تتمكن من معرفة المناصب التي يشغلونها أو أسماءهم الكاملة، ولا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تأخذ صورا لهم أو تسجيلا عن تصريحاتهم، فهم يرفضون الظهور إعلاميا خوفا على حياتهم، عكس مناضلين آخرين من بينهم العاملين في معهد الدراسات الإعلامية التابعة للحزب الذي يتعاطون معك بطلاقة ودون أي حواجز.