author-picture

icon-writer ب.عيسى

كانت مجرد مكالمة عادية أجرتها الشروق اليومي مع عائلة المناضل الجزائري، رشيد ثابتي، للاطمئنان على أحواله وقد قارب الثمانين من العمر، كافية لأن تكشف حقيقة نسيان من صنعوا جزءا مهما من تاريخنا الحديث، حيث علمنا من زوجة المعني، أنه توفي في جويلية من عام 2009، ولا أحد يعلم برحيله، بدليل أننا سألنا مجموعة من كبار المسؤولين عن رشيد ثابتي، فأكدوا أنهم لم يعلموا برحيله على فراش المرض وحيدا رفقة زوجته وابنه وفقط، في منزله بحي الأبيار، عن عمر يناهز التاسعة والسبعين..

  • رشيد ثابتي هو ظاهرة قد لا تتكرر في التاريخ كثيرا، فقد كان يتقن خمس لغات بطلاقة متميزة، وهي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، وطبعا اللغة العربية، إضافة إلى ممارسته وتفوقه في مختلف الرياضات، ومنها الملاكمة التي أحرز فيها اللقب الفرنسي الجامعي، إضافة إلى المبارزة وسباق الأحصنة والسباحة، مما مكّنه بأن يدخل عالم السينما الفرنسية، ويشارك كممثل ثانوي ومجازف في أفلام الحركة والمعارك، ناهيك عن مهنته الحقيقية وهي المحاماة، بعد أن تفوق قبل الاستقلال في دراسته، فنال شهادة البكالوريا وليسانس في الحقوق من جامعة السوربون بباريس..
  • حزب جبهة التحرير الوطني استفاد من مواهب الداهية، رشيد ثابتي، فاقترح عليه التضحية بحياته من أجل دخول عالم الجوسسة في خدمة الوطن، خاصة أن الرجل كان وسيما وجذابا، بإمكانه أن يتقمص كل الأدوار بنجاح، ومن رحلة الجهاد قبل الاستقلال، أكمل طريق كفاحه بعد الاستقلال، وتم الاستعانة به في رحلة المفاوضات الخطيرة حول تأميم المحروقات أواخر الستينات إلى عام 1971، الذي شهد تأميم المحروقات الذي فتح للعراق ولليبيا أبواب السير على نهج الجزائر، وتمكن رشيد ثابتي من كشف كل أسرار الطرف الفرنسي، خلال المفاوضات بوصوله إلى الوثائق، بعد أن تعرف على سكريتيرة حسناء تدعى بروني لدى رئيس الوفد الفرنسي، وهو المدير العام للشؤون الاقتصادية والمالية في وزارة الخارجية الفرنسية، التي أمدته بكل المستندات التي جعلت الوفد الجزائري المحاط بحنكة بومدين وبوتفليقة يتمكن من تسيير المفاوضات بقوة، وكانت هاته السكريتيرة تظن أن رشيد ثابتي هو أمير جزيرة مرمرة التركية، فطمعت في ماله وجاهه، وأيضا في شخصيته القوية، ومنحته ما أراد من وثائق، وعندما شعر الجانب الفرنسي بأن أمرا ما يحصل في كواليسه، ملأ مكتب مدير المفاوضات الفرنسي بالميكروفونات، فسقطت السكريتيرة التي كانت تتبادل المكالمات مع رشيد ثابتي في الفخ، فتم القبض عليها وعليه في كمين محكم، وصدم توقيفه وزراء وأثرياء ونجوم وعلماء فرنسا وقصر الإليزيه الذي كان يدخله وكأنه ملك له، وزُج به في سجن باريسي، ولم ينعم بحريته إلا في عام 1973 مقابل جاسوس فرنسي كان لدى الجزائر، هو الدكتور داميان، وقرر رشيد ثابتي وكان عمره 43 عاما اعتزال مهامه السياسية الكفاحية، وعاد إلى ممارسة المحاماة في الأبيار بالجزائر العاصمة، إلى أن مرض بالباركينسون، وعاش في النسيان لولا الملف الذي قدمته به الشروق اليومي في عام 2006، إلى أن رحل كما عاش في صمت في ذكرى الاستقلال منذ عامين، ومعظم ـ بل كل الجزائريين ـ لا يعلمون برحيل رجل ساهم في تنعّمهم الآن بنفط سعره جاوز 120 دولارا.